ألف : في البدء نعرف أن للقانون مبادئ ثابتة ، هي تلك القيم العليا التي تستوحى من العقل والوحي وتتناسب مع سنن الله ( وتقديره وقانونه ) في طبيعة الإنسان وفي الحياة والتي فطر كل انسان عليها ولا تختلف من عصر لآخر ولا من شعب لآخر . وقد بحث في ذلك المذهب الطبيعي ، وتحدثنا عنه في بحوثنا السابقة .
باء : ثم إن للقانون شكلًا ( صورة ) وجوهراً ( محتوى ) . وصورة القانون هي تلك التشريعات التي تبدأ بالدستور ، وتنتهي باللوائح ، وتمرّ بالمواد القانونية . وهذه الصورة لا تصبح قانوناً ، إلا بعد مروره بتشريع مشرع ( وحي - أو حاكم - أو مجلس تشريعي ) . وعن صورة القانون وعلاقة بنوده ببعضه ، وإرادة المشرّع ، يتحدث المذهب الصوري والارادي ، ولا ريب في أهمية دور هذين المذهبين في سبر غور القانون وفقه أبعاده .
جيم : محتوى القانون يتكيف مع طبيعة الإنسان ، والمؤثرات التي تؤثر فيه تنعكس على القانون الذي يشرع من أجله . ومعروف أن الإنسان عقل وإرادة عليا ، وأيضاً شهوات وأهواء ، وحاجات مادية . والقانون الذي يلغي أحد جانبي حياته ، يعتبر فاشلًا ، ثم لأن الإنسان عقل ، فهو يتطلّع إلى اخلاق فاضلة وقيم يتجاوز ذاته بها . ومن هنا ينبغي أن يكون القانون هادياًله إلى حياة أفضل ، ولا يجوز أن يكون صورة طبق الأصل لواقعه أنّى كان . وكذلك لأن الإنسان منظومة من الحاجات يجب الاهتمام بحاجاته واحتواء نقاط ضعفه أيضاً .
دال : كما أن الإنسان يتأثر بتاريخه ، وبتلك التراكمات من التجارب ، ولذلك فإلغاء تاريخ البشر في القانون إلغاء لأصله . وهكذا نعلم بأهمية المذهب التاريخي والتجريبي .
هاء : والقانون يوضع من قبل دولة حاكمة ، فلا يجوز إلغاء دورها وصبغتها التي يطبعها على مجريات القانون . وهذا محتوى المذهب السلطوي ( هيجل ورسو ) .
ولكن السلطة ليست صاحبة الحق في تنفيذ أهوائها على الناس . وهنا علينا ألّا نشتبه بين السلطة المنفِّذة للقانون وبين السلطة المشرّعةله . صحيح ان هناك تفاعلًا بينهما ، وتأثيرات متبادلة ، ولكن جوهر القانون ومحتواه يجب أن يكون بعيداً عن ميول السلطات وأهوائهم .
واو : وانما يوضع القانون من أجل المجتمع الإنساني ، والمجتمع كتلة من الحاجات والتطلّعات ، ويتطور المجتمع بين حين وآخر ، وعلينا دراسة هذا المجتمع دراسة وافية تشمل مكوناته ومتغيراته
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 130
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٠