لقد تحدث ( توينبي ) عن التحدي الكبير الذي يتعرض له المجتمع ، فيستجيب له بفعل استراتيجي في مستواه ، وانما التحدي هو الذي يمس أمن المجتمع ويهدده ( لولا الاستجابة له بتحد مضاد ) بخطر الانقراض . ولكن ( باوند ) يتحدث عن بعض الاشكاليات التي تعتري المجتمع ولا تصل إلى مستوى تهديد كيان المجتمع ، بل إلى ضعضعة استقراره ، وتعريض بعض مصالحه للخطر ، والتي يتصدّى لها العقلاء اما بحذف قوانين أو وضع أخرى . مثلًا مع الثورة الصناعية في الغرب والانطلاق الكبير الذي رافقه ، برزت اشكالية القوانين الكابحة فحذفت واستبدل بها فلسفة جديدة للقانون ، تؤكد على الملكية الخاصة ، وتشجيع المبادرات الفردية .
ولنفترض مجتمعاً حراً تعرض لخطر تفشّي الأمراض ( الجنسية منها بالذات مثل الايدز وازدياد عدد الجرائم وانتشار روح الميوعة والتفكك وما أشبه ) فان حكماء هذا المجتمع سوف يلجأون إلى كهف المبادئ السامية التي تنقذهم من خطر الفناء ، وذلك بالتأكيد على فلسفة الأمن والاستقرار ، ووصاية القانون على الفرد . وهكذا إذا غطّ مجتمع في سبات ، وأقعدته الأنظمة البالية من الانطلاق والنشاط ، وأحاطت به أغلال التخلّف ، هنالك يلجأ الحكماء إلى مبدأ الحرية وتأكيد الذات ، ويفكّون عنه الأنظمة الإضافية ، ويطلقون طاقاته في ميادين النشاط . كما فعل رسول الله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بمجتمع الجزيرة العربية حيث قال الله سبحانه وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ . . « 1 » .
المبادئ السامية كلها نافعة ، ولكن التأكيد على بعضها في ظرف معين وجعل التشريع في خدمته ، هو من مسؤولية الحكماء .
وبكلمة : القانون هو وسيلة يستخدمها حكماء كل أمة للوفاء بأهم حاجاتهم ، ورفع الاشكاليات الحادة التي تعتريهم . ومن هنا يجب ان ننظر إلى القانون نظرة مرنة ولا نعتبره أمراً ثابتاً لا يتغير .
ويختلف مجال أفكار منتسكيو عن ميدان نظرية باوند .
الف - فالأول كان يؤكد على ضرورة توفيق القانون مع البيئة الحضارية ( الطبيعية ، والثقافية ، والدينية ، والاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ) مما لها نوع من الاستمرارية ، وتشبه أفكاره إلى
هامش
( 1 ) - سورة الأعراف / 157 .