حدّ ما نظرية التحدي عند توينبي اللهم الا في المستوى ، فالمؤرخ البريطاني ، ( توينبي ) يتناول حديثه حالة الاحساس بالخطر فقط ( أي في ظروف الصراع ) ويحدد الاتجاه العام للمجتمع ، بينما الأستاذ الفرنسي ( منتسكيو ) يتحدث عن القضايا في الظروف الطبيعية .
باء - اما باوند فيبحث عن الاتجاه العام للقانون والأهداف الأهم له في ظرف معين ، وانه يأتي لحلّ أي نوع من الاشكاليات الاجتماعية . فحديثه أقرب إلى تطور المجتمع وطبيعة القانون الذي يحتاجه . وهكذا ينبغي دراسة كل هذه المتغيرات في حياة المجتمع عند وضع قانون معين - متغير التحدي - متغير الطبيعة - متغير الحاجة . وبقيت لنا كلمة أخيرة عن المذاهب القانونية وكيف يمكن لنا ان نستفيد منها بتكميل بعضها ببعض .
5 / المذاهب القانونية تتكامل
عندما استعرضنا - في الفصول الماضية - المذاهب المختلفة في فلسفة القانون ، رأينا مدى الاختلاف الكبير بينها ، مما يدعو البعض إلى التساؤل : أفلا يدلّ هذا الاختلاف على الجهل بحقيقة القانون ؟ والجواب : حقاًإن القانون صورة عن الإنسان ، والإنسان لا يزال أكبر مجهول عند نفسه ، ولكن اختلاف المذاهب القانونية ربما دلّ على تعمّق العلم في أغوار حياة البشر ، حيث اختار كل مذهب جانباً من حياته فتعمق فيه . وإنما ضرب بعض المذاهب ببعضها ، وإيجاد التضاد بينها هو الذي سببفي مثل هذا التساؤل . أما إذا أكملنا بعضها ببعض ، استطعنا معرفة أبعاد حياة الإنسان ، معرفة أفضل . فحين تحدّث مذهب عن دور الإرادة في تشريع القانون ( المذهب الإرادي ) لم يترك البحث عند هذا الحدّ ، إنما تعمق في معنى الإرادة وشرعيتها ، « 1 » ومعنى التشريع ، وبالتالي أعطانا صورة أوضح مما مضى عن هذا البعد من القانون . كذلك المذهب الصوري ( كلسن مثلًا ) طوّر نظرية مفيدة في علاقة بنود القانون ببعضها وهكذا المذاهب الاجتماعية ، أغنت أفكارنا في علاقة القانون بتطور المجتمع ، وهكذا . . فإذاً المشكلة ليست في تعدد المذاهب القانونية ، بل في كيفية تجميعها ، مما يثير السؤال التالي : كيف نكمّل المذاهب المختلفة ببعضها ، حتى نحصل على النظرية الأقرب إلى الواقعية ؟
لعلّ البصائر التالية تعطينا الإجابة عن ذلك :
هامش
( 1 ) 1 - راجع فلسفة كانت وفلسفة هيجل في ذلك مثلًا .