وخلاصة الأفكار التي تُستخلص فيما يرتبط بروح المجتمع ، هي التالية :
1 - ان لكل مجتمع أو شعب روحاً ناشئة من مرحلة حضارية تتشكل من جملة التحديات الداخلية والخارجية ، التي يواجهها في تلك المرحلة ، وطريقة استجابته لها .
2 - إن هذه الروح تفرز قيماً تناسب تلك المرحلة .
3 - إن الرسالات الإلهية تأتي لتنقذ الحضارة البشرية والمجتمع الإنساني ، وتنذره قبل دماره بسبب انحلاله الحضاري . وقد يستجيب البشر لذلك النداء الإلهي ( مثل قوم النبي يونس عليه السلام ) وقد لا يستجيبون ( مثل قوم النبي نوح عليه السلام ) فيهلكون .
4 - إن هذا التحدي وتلك المرحلة الحضارية يشكلان معاً محور القيم المتغيرة ( الحياتية ) ، والتي تصبح - بدورها - مصدراً للتشريعات القانونية ، وما لم أجده في كتابات توينبي ، السبب الذي يجعل بعض الشعوب تستجيب للتحدي ، بينما لا يستجيبله الآخرون . أو يستجيب هذا الشعب للتحدي في فترة ولا يستجيبله في فترة أخرى وقد توصّلت من خلال دراساتي إلى أنّ الفكرة الحضارية ، التي عادة ما تكون وحياً الهياً أو قبساً من وحي ، هي التي تهبط على أرض التحدي فتنبت الحضارة .
باء - مكونات المجتمع
ويبدو أن المؤلف الفرنسي المعروف " منتسكيو " كان يبحث عن هذه الروح في كتابه ( روح الشرائع ) الذي يرى البعض أنه كان أعظم كتاب فرنسي ألف في القرن الثامن عشر « 1 » . ولقد فتح باباً واسعاً على علاقة التشريع بطبيعة الظروف ، وحاول أن يدرس المتغيرات التي تتدخل في وضع القوانين . ومن هنا سمّى كتابه ب - ( الروح ) لأنه كان يتصور أن للشرائع ظاهراً وباطناً ، وباطنها روحها وقيمها ، التي تختلف من شعب لآخر .
ويتخذ مقياساً لمعرفة القيم يتمثل في قانون العقوبات ، حيث يتبين أهمية القيم عند الأمم عادة عند وضع العقوبات ؛ فكلما كانت القيمة أعظم والحاجة إليها أشد ، كانت عقوبة تركها أكبر « 2 » .
هامش
( 1 ) - روح الشرائع ، ج 1 ، مقدمة المترجم .
( 2 ) - يسرد منتسكيو أمثلة كبيرة في هذا الحقل في كتابه روح الشرائع مثلًا ، راجع ص 124 ، وص 130 ، وكذلك ص 133 ، من الجزء الأول من الكتاب .