أما التقدم الحضاري - الذي يتخذه البعض تبريراً للتضحية بحقوق الأفراد - فإنه يستحق ذلك في ظروف معينّة دون غيرها . ( عندما تواجه الأمة تحدّيات كبرى لولا الاستجابة لها ، تتلاشى الأمة ؛ وبالتالي عندما يصبح التقدم الحضاري ضرورة أمنية ، فيعود إلى قيمة الأمن ، والتي قلنا أنها تسبق كل قيمة ) .
باء : تحديد الضرورة الأمنية أو الضرورة الحضارية ، إنما يتمّ عبر سلطة شرعية مقبولة عند الأمة . إذ من دون ذلك ، تدعي كل سلطة أن الضرورة الأمنية تقتضي التضحية بحريات الأفراد ، والاعتداء على حقوقهم الطبيعية .
جيم : يجب التأكد من عدم امكانية تحقيق القيمة - التي نسعى إليها - مع المحافظة على حقوق الأفراد ، علماً بأن التأكد من هذا الأمر يعتبر أمراً صعباً .
وحسبما يقول ( د . كاتوزيان ) : في المجتمع الذي تهدف كل القوانين فيه المحافظة على السلطة ، لا نستطيع أن ننفي إمكانية تحول حقوق الإنسان فيه إلى لعبة لأهواء الطبقة الحاكمة . فإذا كنا نخشى في المجتمع الحر من اعتداء الشركات الكبرى والرأسماليين على حقوق الآخرين ، مستخدمين ثرواتهم ، أفلا يحق لنا أن نخشى مثل ذلك في مجتمع تحتكر السلطة كلّ القوى ووسائل الانتاج ، وتملك أيضاً ناصية القانون ؟ « 1 »
جيم : المدارس الوسطى
بعد فشل المذهب الاجتماعي بعد المذهب الفردي في توفير القيم العليا ، التي ينشدها الإنسان بفطرته من العدالة والتقدم ، شرع الخبراء في البحث عن مذهب جديد ، يوفّر كرامة الفرد وحريته ، وفي ذات الوقت يؤمن أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية . ولكن ما هو المعيار ؟
فإذا لم يكن الفرد قيمة مطلقة ولا المجتمع ، فما هي القيمة المطلقة ؟
يبدو أن هناك ثلاثة مشاريع حلّ لهذه المعضلة :
أولًا : تبني المذهب الفردي بعد اصلاحه بزخم من القوانين التي تحدّ من سورته ، وتهذبه ، وتشبعه بالروح الاجتماعية . وهذا ما نجده في الدول الغربية .
هامش
( 1 ) - فلسفة حقوق ، ص 387 .