تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
هنالك تغرق الديانة ، في سلسلة من التشريعات الانطوائية ، التي تبعد أصحابها عن طيبات الحياة ، وبالتالي عن الجهد من أجلها ، وتلك نهاية الحضارات الدينية . وحتى الحضارات التي انبثقت من ثقافة أرضية ، تتحول مع الزمن إلى اغلال ، يرسف فيها ، الذين يفسرون نصوصها بما يتوافق وروحهم الانطوائية البعيدة عن التحدي والانطلاق . وباختصار ، اننا نجد عند الشعوب المتخلفة ميلا نفسيا إلى الانطواء ، يتنامى بينهم عندما ينحسر عنهم الروح ، وان كثيرا من التشريعات التي أضافها السابقون إلى الدين الاسلامي هو من هذا القبيل .

الشريعة بين الحروف والحقائق :

كما هو معروف لمن رافقنا في دراستنا حتى الان تهدف أحكام الشريعة تحقيق قيم سامية هي روحها ولبابها وحقائقها . وعندما تعيش الأمة أو عناصر منها عنفوان الروح ، فإنهم يسلكون إلى الحقائق طريق الاحكام ، ويهتمون بمعاني الشريعة من خلال التزامهم بحدودها ، يقيمون الصلاة إقامة ليس فقط بتلاوة آياتها وسبحاتها ، وأداء ركوعها وسجودها ، وانما أيضا بالخشوع فيها ، والاخبات بها ، وتمثل روحها في حياتهم . والزكاة طهارة لقلوبهم من الشح ، والحج ذكر الله ذكرا كثيرا يصبغ حياتهم بصبغة التوحيد . وهكذا سائر شرائع الاسلام يؤدونها كما انزلها بحدودها وحقائقها . بينما الجيل المتخلف الذي يأتي من بعدهم ، يضيع الصلاة ، ويتبع الشهوات ، فتراه يزداد اهتماما بحروف الاحكام ، وحدود الشرائع ، دون معانيها وحقائقها وقيمها . وكلما ازداد عن المعاني بعدا التصق بالحروف ، وجلعها هدفا لا وسيلة ، فإذا صلى كان همه الإفصاح عن كلمات التلاوة ، أكثر من اخبات قلبه بها ، بل قد يكون ذلك ، تعويضا عن ذلك ، أو تدري لماذا يزداد تمسك البعض بالحدود والحروف وربما القشور والهامشيات كلما ابتعد عن القيم والمعاني ؟ انما للسبب التالي :
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 77 | السيد محمد تقي المدرسي