حقيقية بالله سبحانه ، وانما كان عملا ظاهرا بعيدا عن سائر الواجبات التي تشكل بمجموعها روح الشريعة الغراء .
والملاحظ ان التضخم لا يكون عادة عند هؤلاء في القضايا العامة التي تحتاج إلى تزكية النفس ، والايثار ، والجهاد ، بل في الأمور الثانوية التي لا تكلف جهدا ولا تشكل عليهم خطرا .
مثلا : لقد أحل الله الطيبات من الرزق ، ولكن حرم وشدد في تحريم ما يفرق أبناء المجتمع عن بعضه ، مثل التنابذ بالألقاب ، والتجسس ، وسوء الظن والغيبة ، ولكن الناس استهانوا بهذه المحرمات رغم تأكيد الوحي على النهي عنها ، بينما اهتموا بالمحرمات حتى أضافوا إلى قائمتها بعض الطيبات وهكذا قال الله سبحانه :
( يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير ) . « 1 »
وبعد هاتين الآيتين يصعقنا السياق بآية بالغة الشدة ، حيث يقول ربنا سبحانه :
( قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم ، وان تطيعوا الله ورسوله لايلتكم من اعمالكم شيئا ان الله غفور رحيم ) . « 2 »
الا تجد علاقة بين هذه الآيات الثلاث ؟ الايهدينا سياقها المشترك إلى أن تجاوز العصبية القومية والفئوية وسائر الحواجز التي تفرق بين أبناء البشر هو مقياس الايمان الحق ، وليس الادعاء بالايمان ادعاء فارغا ، وهكذا نعرف ان الاهتمام بهذا الجانب هو دليل الايمان وهو روح الاسلام ، وليس تحريم الطيبات من الرزق والاهتمام بكلمات التلاوة ورسوم العبادة فقط .
وفي سورة النور وعند بيان قصة الافك ، وإشاعة الأراجيف التي تمزق وحدة المجتمع ، أو تضعف ولاءه لقيادته ، يقول ربنا سبحانه :
هامش
( 1 ) - الحجرات / 12 - 13
( 2 ) - الحجرات / 14