وهكذا زعم البعض ان الاسلام دين الاستبداد والحكم التيوقراطي ، وفرض طائفة من الناس على الآخرين . كلا الاسلام دين التحرر ، دين رفض الطغيان ، دين رفض الحتميات ، دين الإرادة الحرة والمسؤولية التامة .
والجماهير هم المسؤولون عن الحكم الذي يتولاهم ، فان هم قصروا فقد ظلموا أنفسهم ، وان هم خضعوا للظلم ولم يثوروا ضد المتسلطين عليهم فقد خانوا أمانة الله ، ونكثوا عهد الله معهم الا يعبدوا غيره سبحانه .
والشاهد من القرآن على هذه الحقيقة قول الله سبحانه : ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ، انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء . فلا تخشوا الناس واخشون ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، ومن لم يحكم بما انزل الله ، فأولئك هم الكافرون ) . « 1 »
دعنا نتدبر في كلمات الله هذه . .
أولا : التوراة التي انزلها الله ، هي محور الحكومة ، لان فيها حكم الله ، ومن يتولى عنها فليس بمؤمن .
ثانيا : النبيون يحكمون الناس بالتوراة التي فيها هدى ونور لأنهم - عليهم السلام - اسلموا لله ، فملاك حكومتهم أمران : الفقه بالتوراة والعدالة بالتسليم التام لله .
ثالثا : الربانيون ( وهم العلماء المقربون لرب العالمين ) ، والأحبار ( وهم العلماء العدول ) ، يحكمون الذين هادوا من أهل الكتاب لما فيهم من خصال :
الف : بما استحفظوا من كتاب الله ، وتفقهوا في دينه وبقدر فقههم وحفظهم لكتاب الله تكون سعة حكومتهم لا مطلقا .
باء : وبما كانوا على كتاب الله شهداء . فطبقوه على أنفسهم وراقبوا تطبيقه على المجتمع ، فكلما كانت شهادتهم أكبر ، كلما كانت حكومتهم آكد .
جيم : وبما لديهم من خشية الله لاخشية الناس ، فإذا خضعوا لطغيان الارهاب سقطت ولايتهم قال الله : ( فلا تخشوا الناس واخشون ) .
دال : وبما لديهم من الزهد في زخرف الدينا ، وعدم الانهيار امام ترغيب الأثرياء ، قال الله سبحانه : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) .
هامش
( 1 ) - سورة المائدة 43 / 44