ثانيا : مع استمرار القوانين تتحول شيئا فشيئا إلى عرف اجتماعي ، مما يسهل تنفيذها ، ويصعب على الناس تركها ، وهذه فائدة جيدة للقوانين . « 1 »
من هنا لا نستطيع ان نوافق النظريات القانونية التي شاعت ردحا من الزمن ، ودعت إلى جعل القانون تابعا لأهواء الافراد ، وأنكرت - بذلك - كل الأسس الأخلاقية ، والدينية وحتى العقلانية في التشريع ، وحسب ما يقول جون لاك : لم تخلق الدولة الملكية ، وانما جاءت لكي تحميها ، ويقصد بالملكية كل ما يتصل بحقوق الانسان « 2 » ويمضي أصحاب هذه النظرية قدما ليقرروا ان المجتمع - بدوره - صنيعة الافراد الذين اتفقوا - ضمن عقد بينهم - على خلقه وحسبما يقول جون لاك يتنازل الناس عن حقوقهم وحرياتهم انما حسب الضرورة المطلوبة لتشكيل الدولة ، وهذه هي أسس الاتفاقات والمواثيق التي نجدها في الدساتير المرعية . « 3 »
وقد اختلفت مدارس هذه النظرية الا انها تتفق في امر واحد - هو نفي الأسس الغيبية والمثانية والأخلاقية للقانون .
وبالرغم من أن هذه المدارس خدمت البشرية عندما عارضت الدول الديكتاتورية ، والقوى الاستكبارية التي أيدتها لأنها كانت تسئ استخدام الشرعية الدينية والأخلاقية في قمع حركات التحرر .
الا انها كانت تفتقر إلى الروح العليا التي تعطي للقانون قيمة حقيقية ، وقد اصطدمت هذه النظريات بالواقع ، ولذلك لم يعد أحد من فقهاء القانون يعتمدها بصورة مطلقة .
ذلك ان التجربة قد دلت على أن انعدام الأسس الأخلاقية في التشريعات ، يؤدي إلى أبشع ألوان الاستغلال ، والطبقية ، حيث اعتمدت قوى في الغرب على هذه النظريات ( اقتصاد السوق / حرية التحلل ) وخلقت مجتمعات أشبه ما تكون إلى الغابة ، وهكذا عاد الفقهاء إلى نظريات معتدلة ، فقالوا : صحيح ان الدولة صنيعة الناس إلى أنها ان لم تملك قدرة فرض النظام فان الضعفاء
هامش
( 1 ) - راجع فلسفة حقوق ص 528 / 532
( 2 ) - فلسفة حقوق ص 360
( 3 ) - المصدر ص 362