مثلا لو انني لا حظت عند بعض الفقهاء السابقين منهجا يدعوهم إلى التشدد في امر الدين ، والاحتياط في آرائه الفقهية ، والميل نحو تلك الأدلة التي تتناسب وهذا المنهج ، فهو يغلب عادة جانب الأدلة الملزمة . . ثم عرفت بان هذا المنهج يتنافى وسماحة الدين ، وان الله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر ، ولم يجعل في الدين حرجا ، كما يتنافى واصل البراءة الذي اعتمده فقهاءنا رضوان الله تعالى عليهم . . ففي مثل هذه الحالة الا يحق لي ان أفكر مرتين قبل الاعتماد على أقوالهم ، لأني أخالفهم في منهجهم العام ، كما لو أن واحدا من فقهاءنا الأصوليين نظر في كتاب فقيه من فقهاءنا الأخيار ، بين كيف تراه لا يعتمد كلامه لأنه يخالفه في بعض المناهج الأساسية في فهم الأحاديث وكيفية التعامل معها .
وكذلك عندما نرى ان طبقة من الفقهاء يعتمدون ظواهر الكتاب أكثر مما يعتمدون اخبار الآحاد ، أو عكسوا فاعتمدوا الاخبار ولم يعطوا الكتاب حقه ، أو تبنوا المنطق الإغريقي في فقه الدين ، أو تساهلوا في سيد الروايات أو تطرفوا في الاهتمام به ، وهكذا أو انهم بسبب ظروف التقية لم يتناولوا بعض أبواب الفقه بلابحث كثيرا ، أو انهم اعتمدوا في فقه الأدلة على القرائن الحالية كثيرا مما خفيت عني أو اما أشبه . . ففي مثل هذه الأحوال هل يمكن لي - مع كل ذلك - ان اتبني آراءهم الفقهية التي اشتهرت بينهم أو اتفقوا عليها ؟ ان كنت اوافقهم في المناهج والأصول .
ان اختلاف الزمان لا يؤثر فقط في الموضوعات الخارجية للشرع ، بل أيضا في قابلية درك نصوص الشريعة بسبب توفر المصادر أو عدمها ، أو بسبب تبلور النظريات أولا . .
فمما لا ريب فيه ان كل جيل من الفقهاء أضاف إلى منهج الاستفادة من الشريعة إضافة هامة ساهمت في تسهيل عملية الاستنباط . فهل يجوز ان نتغافل عن كل ذلك . ونتبع آراء الأقدمين لمجرد انهم كانوا أقرب إلى مصادر الوحي والتشريع بلى كانوا أقرب زمنا . ولكن ربما كانت ظروفهم تمنعهم من الاستفادة من قربهم فمثلا : أصحاب الامامين الصادقين عليهما السلام كانوا أقرب إلى مصادر الوحي من المحدثين الكبار مثل : الصدوقين والكليني والطوسي ، ولكن الظروف التي ساعدت هؤلاء منحتهم فرصة جمع اثار الأئمة ، والاطلاع على خفاياها أكثر مما منحت كثيرا من أصحاب الأئمة الاسبقين ، بل قد نجد سؤالا يبدر من الرواة المباشرين حول
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 134
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٤