المعاني التي نزلت بها في ظروف الخطاب وليس اليوم ، ( بالرغم من أن جوهر المعاني لم يتغير ) .
فقد وجب احترام رأي ذلك الجيل الذي خوطب مباشرة بالقران وابعاد فهمه للخطاب القراني ، وهكذا للأحاديث التي كانت خطابات مباشرة للأصحاب ، وكانت تحف بدلالاتها الكثير من القرائن الحالية والمقالية ، من كل ذلك نستفيد ان آراء الجيل الذي خوطب بالقران ، والحديث له قيمة كبيرة في فقه معاني الوحي ، وفي تفسير نصوصه وهذه القيمة تزداد عند الأقرب إلى مصادر الوحي .
أضف إلى ذلك ان القران صاغ أمة من الناس ، وبالرغم من أن هذه الأمة لم تكن الصيغة النهائية والمثلى للخطاب الإلهي ، ولكنها كانت الصيغة المقبولة التي يمكننا الاستفادة من منهج تطبيقها للخطاب الإلهي ، وصياغة القران لهم جعلتهم أقرب إلى فهم الشريعة من غيرهم لأنهم كانوا الأكثر تفاعلا عمليا لها .
هذا كله يشكل بعض التبرير لحجية الاجماع ولدلالته على الأحكام الشرعية ، ولكنها كما عرفت دلالة نسبية لاتنفع الا إذا أضيفت إلى سائر اللامارات ، والسبب ان القران الكريم خطاب الهي عام للبشرية ، وانه كتاب خالد لاتبلو حقائقه ، ولا تؤثر حركة الزمان في احكامه وبصائره ، وقد يسره الله سبحانه للذكر وجعله للعالمين نذيرا ، وتعهد حفظه عبرالاجيال المتطاولة وكل ذلك يأبى من اختصاصه بجيل دون غيره ، حتى في فقهه ووعي حقائقه ، وكما القران الكريم كذلك السنة الشريفة فان جوامع العلم فيها لاتخص المشافهين وحدهم بل هي بصائر وهدى للبشرية جمعاء . وقد أشار فقهاءنا إلى هذه الحقيقة ، المرة بعد الأخرى ، حين لم يعتبروا الاجماع حجة ذاتية ، بل جعلوه كاشفا عن الحجة ، بل أشار بعضهم إلى ضرورة التماس سائر الأدلة معه .
تأمل مثلا في كلمات المحقق القمي كيف يستدل على حجية الاجماع وكيف يفسره ، انه يقول : وثالثها ( ثالث الأدلة على الاجماع وهو دليل يرتضيه المؤلف ) : انه يمكن حصول العلم برأي الامام من اجتماع جماعة من خواصه على فتوى مع عدم ظهور مخالف لهم ، وكذلك يمكن العلم برأي كل رئيس بملاحظة
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 129
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٩