لذلك نقل عن العلامة المجلسي ( مؤلف موسوعة بحار الاوار ) قوله : انهم ( الفقهاء ) لما رجعوا إلى الفقه كأنهم نسوا ما ذكروه في الأصول . ثم قال : فيغلب على الظن ان مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الأصول . « 1 » ويبدو لي ان الفقهاء كانوا في دراستهم حول الاجماع - يوازنون بين امرين : 1 / بين الدقة المنطقية الصارمة التي فرضت عليه تعريض الاجماع لنقد حازم انتهى إلى دليل لا يكاد ينهض باثبات شيء .
2 / وبين الضرورة الفقهية ، حيث لم يجدوا في الأدلة الشرعية ما يكفي لتغطية كل الاحكام ، مما سمحوا لأنفسهم بالاحتجاج به عمليا . على أنهم لم يكونوا يعتمدون عليه وحده في المسائل ، وانما كانوا يضيفون اليه سائر المرجحات مثل الاخبار الضعيفة السند ، أو المتعارضة ، أو ما يستظهر من الكتاب والسنة ، مما يحتاج إلى تأييد السلف الصالح ، أو الأصول الفقهية العامة ، أو ما أشبه وقد نستطيع القول إن علم الفقه أكثر نضجا وتقدما من علم الأصول الناشئ نسبيا ، فلا يمكن اخضاع الفقه كليا لمباني الأصول ، ولذلك تجد الفقهاء في الفقه أقرب إلى حقائق الدين منهم في الأصول التي شربت بالمنطق الارسطي الدخيل ، وربما بأفكار فلسفية غير منسجمة مع منهج القرآن .
بحوث في حجية الاجماع :
بعد ان طفنا بآراء الفقهاء في الاجماع ينبغي ان نستعرض طائفة من الحقائق التي يجب تكميل بعضها ببعض حتى تتوضح الصورة في حجية الاجماع وهي :
أولا : الانسان يميل نفسيا نحو الاهتمام بآراء الآخرين ، ومحاولة التكيف معهم مما يسمى ب - ( حس التوافق الاجتماعي ) وهذا الميل النفسي نقطة سلبية في مناهج البحث يجب الحذر منه عند البحث ، والآيات القرانية حذرت منه حيث قال ربنا سبحانه :
( وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ان يبتعون الا الظن وان هم الا يخرصون ) . « 2 »
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول ص 57
( 2 ) - الانعام 116