إلى أهل الذكر يستنبطونه من القسم الأول . ووضع لذلك شرعة ومنهجا .
وقد اختلط عند كثير من الباحثين أمر القسمين فتراهم يستصحبون أدلة القسم الثاني ، للقسم الأول . حيث قال بعضهم بالقياس ، وأضاف إليه البعض العرف والشرائع السابقة ، والمصالح المرسلة ، والاستحسان ، وسد الذرائع . بينما هذه الأدلة لا تكشف حكم الشرع ، انما تحدد مجال تطبيقها . ولعل حجية الإجماع أيضا مخصوصة بهذه القسم إلا ما كان كاشفا عن حكم المعصومين بالضرورة .
ويبدو أن السبب في ذلك هو الإعتقاد بان أكثر احكام الشرع ثابتة لا تطور فيها . فلما أعوزهم الدليل على مفرداتها استعانوا بأدلة القسم الثاني فاختلط الأمر عليهم . . ولو أنهم ميزوا بين القسمين وعرفوا أن الثابت من الشريعة شيء قليل بالقياس إلى المتطور منها ، لاستراحوا ولم يتكلفوا بإضافة أدلة لمعة ثوابت الشرع .
بلى ، أصول الأدلة واحدة في القسمين ، لأن محور الأدلة العقل ، وهو الذي يهدينا إلى الشرع بعد أ ، يستشيره الوحي ، ولكن العقل لا يحكم بشيء لا علم له به . فلذلك يقسم الأشياء إلى قسمين : فمنها التي لا يحتاج العقل فيها إلى أكثر من مجرد التذكرة والإستشارة ، مثل الإيمان بالله ، وبرسله ، وباليوم الآخر ومعرفة حسن العدل بينما أكثر الحقائق بحاجة إلى معرفة الظروف الخارجية للإفتاء بحكمها . فهل الله يرضى بالتصدي للرئاسة ؟ بلى إن كنت من أهلها ، وكلا إن لم تكن .
هل يرضى بأن يحكم بحسن التعاون بلى إن كان على البر والتقوى ، وكلا إن كان على الإثم والعدوان .
هل الدين يأمر بالحرب ؟ بلى إن كانت في سبيل الله ، وكلا إن كانت بالعدوان . والسؤال : كيف نحدد الموضوعات الخارجية ، وأن هذا الشخص يصلح للرئاسة وذلك لا يصلح ، أو أن هذا الأمر بر وتقوى ، وذاك إثم وعدوان ، وأ ، هذه الحرب في سبيل الله ، وتلك في سبيل الطاغوت .
هنا ينبغي ان يستعين العقل بالعلم ، فإذا كشف العلم أمر الموضوع جاء العقل المستنير بالشرع ، ونطق بحكمه .
دعناإذانقسم الأحكام إلى ما هي مجال الشرع والعقل فقط ، وما هي مجالها بالإضافة إلى العلم ، ونسميهااصطلاحا - بالأحكام العلمية .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 208
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠٨