تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
لقد ترك فرعون موضوع الرسالة ، وعاد القهقرى إلى نقطة الصفر ، ليُطالب موسى ( ع ) بعبوديته ، وبدأ يُهدِّد رسول الله تهديداً مباشراً بعد أن قال لقومه : ألا تسمعون ؟ ثم خاطبهم قائلًا : إن رسولكم ، وها هو الآن يُخاطب الرسول نفسه بلغة الوعيد . إن فرعون أعرض في تهديده هذا عن مناقشة ربوبية الربِّ الحقيقي ، وهو الله تعالى ، وأخذ يُهدِّد موسى بسبب امتناعه عن استلهام الأفكار منه ، والانقياد إلى إلهٍ آخر دونه ؛ أي دون فرعون . ولعل السبب في أن يُهدِّد فرعون موسى ( ع ) بالسجن وليس القتل ، مثلًا ، هو أن فرعون كان قد انتهى من اقترافه مجازر استمرت سنين طويلة ، وذلك منذ أن رأى في منامه ما يدلُّ على أن أحد أطفال بني إسرائيل سيُولد قريباً فيتمرَّد عليه حتى يُزيحه عن ملكه . أمَّا الآن ، وقد رأى التهديد الجدِّي ماثلًا أمام عينيه ، فقد أعرض عن فكرة القتل ، واهتمَّ بفكرة السجن ، ليُثبت لمن حوله أنه قد تمكَّن من القبض على طريدته التي أتعبه البحث عنها لعقود من الزمن . وهذا - حسب رأيه - يُحقِّق له مزيداً من الإعجاب والخضوع من جانب أتباعه ومُريديه . ولعل سبباً آخر في البين لتهديده موسى بالسجن دون القتل ، هو خوف فرعون نفسه مما أثاره موسى ( ع ) في نفوس الحاضرين من خلال استدلالاته المنطقية المُستلهَمة من وحي السماء ، فكأنَّ فرعون أراد بتهديده نبي الله تعالى أن يجعل من فترة سجنه إيَّاه محاولةَ ترهيبٍ وتأديبٍ بما يشتهيه . وقضية أخرى لا بد من إيضاحها ، تتمثَّل في أن من كان حول فرعون اقترحوا عليه خيار السجن لموسى ، تأثُّراً بطبيعة مولدهم الرشيد دون الحرام ، خلافاً لما كان عليه شأن الملأ حول نمرود الذين