ولعمري ؛ فإن هذه نعمة كبرى أن يُنزِّل الله تعالى أكمل الرسالات تشريعاً ، ومعها أكمل أدوات الإيضاح ، وهي اللغة ، واللغة العربية ، والوضوح في النص القرآني الذي ليس من طبيعته طمس الحقائق والبصائر ، أو إعمال اللبس على قارئه ، بالإضافة إلى نعمة بعث محمد المصطفى ( ص ) رسولًا نبيًّا ، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم وأفضلهم على الإطلاق .
يبقى علينا أن نفهم أبعاد الحجة البالغة من منطلق أن النذير المصطفى ( ص ) قد بُعِثَ بلسان عربي مُبين ليُنذر الناس ، وقد أدَّى هذا النذير مهمته على أكمل وجه ، فإذا غفل أحد من الناس عنه ، فالمشكلة مشكلته ، ولا علاقة للمُنذر ولرسالة الإنذار به على الإطلاق .
وهكذا قال ربُّنا سبحانه : فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ « 1 » .
ثم إنّ القرآن يؤكِّد أكثر من مرة كونه مُبِيْناً ، فهل هذا يعني أن كل إنسان قادر على فهمه ؟ . وأين يذهب القول بأن القرآن لا يُفهم إلَّا عبر المفسِّرين ؟ .
ونقول إزاء ذلك : إنّ كل الحقائق القرآنية لا تُفهم من قِبَل كلّ أحد ، ذلك إنّ الناس يفهمون الحقائق حسب مستوياتهم ومن حيث ينظرون ، وهذا يُؤدِّي بطبيعة الحال إلى القول بأن في القرآن حقائق تُفهم ، وحقائق لا تُفهم على وجه الدقة من قبل كل الناس ؛ إذ في الناس مَنْ هو عالم ، وفيهم مَنْ هو جاهل ، وفيهم مَنْ هو عارف بطبيعة اللغة العربية حق المعرفة ، وفيهم مَنْ لا يفهم العربية التي هي بمثابة الجسر للعبور نحو بصائر القرآن وحقائقه ، كأن يكون قد تقولب ضمن قوالب اللهجات الدارجة وأجوائها ، أو لكونه غير عربي ولا ينطق
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 149 .