النفس ، وفيها الكثير من الجهل ، ومن العصبيات ، ومن الشهوات ، وفيها ما فيها ، حتى أن الحقائق التي تتضمَّنها ، هي حقائق مشوَّهة وغير مُكتملة ، بل ليس لها أن تكتمل . فليس لأحد الادِّعاء بكمال قوله واكتمال خطابه ، اللهم إلَّا الذين اتَّصلوا بالوحي وتحدَّثوا عنه .
أما كلام غيرهم ، فيُفصح عمَّا فيه من نقص ، وخطأ ، وجهل ، وظلام .
أرأيت قول القائل : ( القتل أنفى للقتل ) في معرض ردعه من يعزم على ارتكاب جريمة القتل ؟ .
ولكن القرآن المجيد قال عوضاً عن ذلك - وبما يتجانس مع الفطرة الإنسانية التي تعود خلقتها إلى مُنزل القرآن نفسه - : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي اْلأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 1 » .
فأين هذا التعبير الشامل ، الصادق ، المؤثِّر ، الرادع ، من ذلك التعبير الجاهلي الذي لا ينم إلَّا عن نقص ، وخطأ ؟ .
وإذا كانت ثقافة البشر مشوّشة وخليطة فالحاجة إذن شديدة إلى بصائر شفَّافة نقيَّة ، وهي المتوافرة في القرآن المجيد .
- وَإِنَّهُ لَتَنْزيلُ
وليس نزولًا . فالتنزيل تدرُّج في النزول ، مراعاة لقدرة البشر على استيعاب بصائر الوحي الجليلة ؛ فهو يشتمل على تناسق وتناغم جمّ بين العطاء والاستيعاب . وهذا من أدلة الحكمة الربانية ، وهو دليل ناصع على كون القرآن مُنْزَلًا من عند الله العزيز الحكيم .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 179 .