2 - مِنَ الرَّحْمنِ
حينما يُذكِّرنا الله تعالى بالحقائق ، فإنه في الوقت ذاته يُذكِّرنا بجدوى الأخلاق الطيبة ، وبأهمية القيام بالأعمال الصالحة . وهذا المسلك في التذكير إنَّما ينمّ عن فيض الرحمة ، عن الربِّ الرحيم الذي كتب على نفسه أن يعمَّ العباد بفضله ولطفه .
إذن ؛ فإن منطلق الذكر المستهدف للإنسان - مهما كانت شاكلته - يتم من قاعدة الرحمة الإلهية الواسعة ، ولولا هذه الرحمة لكان شأن ابن آدم شيئاً آخر ، بل لعله ما خُلِقَ ، وما استُخْلِف ، وما أنعم الله عليه بشيء . . مما يعني أن أساس مخاطبة الله تعالى عباده بالذكر - بأنماطه المتعددة - يتم بالرحمة الإلهية ، ثم قال عن هذا الذكر :
3 - مُحْدَثٍ
مُحدَث : اسم مفعول ، من : أحدث ، يُحدث . . فهو - بفتح داله - عائد للذكر . فالذكر مفعول لإرادة الله ورحمته ، وهو جديد ومُتجدِّد تبعاً لهذه الإرادة . ويمكن القول بأن وصف الذكر الإلهي الرحماني المتوالي على الإنسان بأنّه مُحْدَث ، إنما هو لتثبيت حقيقة قد تغيب عن بعض الأذهان ، وهي أن جانباً من شخصية الإنسان يميل إلى التجديد ، فيكون التعوُّد على نمط واحد من الذكر مدعاةً للملل ، وحتى للتحجُّر - في بعض الحالات - . ولا ريب في إن بلوغ الإنسان هذه الحالة يعود إلى طبيعته هو وليس إلى أصل الذكر ، فهو إذن بحاجة إلى تجديد الذكر وتحديثه ، لسلب ما يمكن أن يُصبح تبريراً للتملُّص من الالتزام بفحوى الذكر الأصيل ، لا سيما وأن شحَّ ، أو انعدام التجدُّد ، والتحديث قد يخلق في الذات الإنسانية نوعاً من المناعة والحصانة ضد الأنماط المتكررة .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 33
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٣