لقد بلغ قوم نوح مبلغاً من المعصية أنهم لم يُكلِّفوا أنفسهم عناء الموازنة بين نتائج التصديق بدعوة نبيِّهم نوح العظيم ، ونتائج التكذيب به .
إنهم لم يقوموا بذلك ، ولعلهم برَّروا لتقاعسهم بأنهم لم يجحدوا بالله ، كما الأمم السابقة التي جحدت فأُهلكت ، متغافلين عن أن الله تعالى يعتبر مجرَّد التكذيب بدعوة نبي من الأنبياء لأمر إصلاح شأن الدنيا لغرض إصلاح شأن الآخرة ، يعتبره تكذيباً بربوبيته ، وأن الاطمئنان ( الكاذب ) إلى رحمة الله ، يتبعه التعرُّض إلى عزَّته وأخذه لهم على حين غرَّةٍ من أمرهم .
بصائر وأحكام
1 - التكذيب بالرسل ، هو آخر مفصل من مفاصل المواقف بين من يدعو إلى ربِّه ، ويُبيِّن آياته ، ويُؤدِّي رسالته بأمانة تامة ، ومن يرفض هذه الدعوة ويُحاربها ، فهو بالتالي يُكذِّب بها .
2 - لعل تكذيب قوم نوح ( ع ) لنبيِّهم لم يكن إنكاراً للخالق سبحانه ، لا سيما وأنه لم يَدْعُهم إلى الاعتراف بالله الخالق ، بقدر دعوته إياهم بأن يتَّقوه . ولا يمكن أن يتَّقي المرء ربًّا لا يُقرّ به . مما يعني أن كثيراً ممَّن وصفهم القرآن المجيد بالكفر لم يكونوا جاحدين للخالق ، وإنما القرآن كان يعتبر عصيان الأنبياء في نصائحهم ودعواتهم لأقوامهم كفراً ؛ لأن عاقبة العصيان هذا هي عاقبة الجحود بالله عزَّ وجلَّ ذاتها .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 282
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٢