الجمع لتشمل العبارة كل المرسلين . لماذا ؟ .
لعله لأنّ تكذيب القوم لنبيهم - وهو رجل واحد - يعني تكذيبهم لكل المرسلين عليهم السلام ؛ لأن بعثتهم وحركتهم واحدة ، ولابد لمن يريد الإيمان بنبي ، أن يؤمن بجميع الأنبياء دفعةً واحدة ، بل حتى أن المرسلين كانوا يُبشِّرون أقوامهم بمن يأتي من بعدهم من الأنبياء عليهم السلام ، كما كانوا يُصدِّقون من مضى من سلفهم ، إضافة إلى أنهم كانوا يأخذون الميثاق من أقوامهم بالإيمان بولاية خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ( ص ) ليرقوا بإيمانهم إلى أسمى المراتب .
ويمكن القول بأنّ قوم نوح ( ع ) قد كذَّبوا حتى بِمَنْ سبقه من المرسلين ، كآدم ، وشيث ، وإدريس ، وأنبياء آخرين لا نعرفهم نحن .
ولعل تكذيب قوم نوح ( ع ) لنبيِّهم لم يكن تكذيباً وإنكاراً للخالق سبحانه ، لا سيما وأنه لم يَدْعُهم إلى الاعتراف بالله الخالق ، بقدر دعوته إياهم بأن يتَّقوه . ولا يُمكن أن يتَّقي المرء ربًّا لا يُقرُّ بوجوده ولا بوحدانيته . مما يعني أن كثيراً من نماذج وصف القرآن المجيد أقواماً بالكفر لا يستوجب القول بأنهم جاحدون للخالق رأساً ، وإنما القرآن يعتبر عصيان الأنبياء عليهم السلام في نصائحهم ، ودعواتهم لأقوامهم لاعتناق الدين والصلاح كفراً ، لأن عاقبة العصيان هذا هي عاقبة الجحود بالله عز وجل ذاتها .
وهذا التكذيب يتضمَّن تنكُّراً من جانب قوم نوح ( ع ) للحقيقة القائلة بضرورة الاتعاظ بتجارب الآخرين ، لا سيما إذا كانت هذه التجارب تجارب مفصلية من حيث الحقب الزمنية ، إضافة إلى كونها عائدة برمتها إلى أمم وشعوب ، فهي تجارب جماهيرية وليست تجارب فردية يصعب التعرُّف إلى أسبابها وتفاصيلها .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 281
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨١