مما يُشير إلى أن القرآن الكريم لا يعتمد السياق التاريخي بقدر اعتماده لسياق موضوع السورة وما فيها من مقاصد .
فسورة الأعراف - مثلًا - كان مقصدها الكبير هو الإنسان ، لذلك جاء فيها الحديث مبتدئاً بآدم ( ع ) .
وسورة هود ، كان حديثها الأكبر عن موضوع الاستقامة ، لذلك نراها اهتمت بمعالجة قصة النبي نوح ( ع ) باعتباره الأشد استقامة في تاريخ الرسل .
وسورة القصص ، كانت تتحدَّث عن قصة الحضارة ، لذلك بدأت واهتمت بقصة النبي موسى ( ع ) وجعلتها مدار بحثها ، نظراً لدمار الحضارة الفرعونية ، وتأسيس حضارة الموحدين بقيادة النبي موسى ، كليم الله .
وعلى أية حال ؛ لا بد من إجراء تحقيق ودراسة عميقة في تسلسل القصص القرآني ، والتعرُّف إلى طبيعة ارتباط هذا التسلسل بمقاصد السور القرآنية .
أقول : بدء الحديث في هذه الآيات الخاصة بقصة نوح ( ع ) ببيان التكذيب به من جانب قومه ، ذلك لأن التكذيب هو آخر مفصل من مفاصل المواقف بين من يدعو إلى ربِّه ، ويُبيِّن آياته ، ويُؤدِّي رسالته بأمانة تامة ، ومن يرفض هذه الدعوة ، ويحاربها ، فهو بالتالي يُكذِّب بها .
1 - كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ
وهنا ؛ كأن الفعل كَذَّبَتْ يُوحي بأن قوم نوح قد رفضوا نوحاً ورسالته رفضاً باتًّا ، وكذّبوا به تكذيباً مطلقاً . وذلك ما يعبّر عن ظاهرة شاذة ؛ ويأتي شذوذها العجيب من أن قوماً يتَّخذون ممَّن يُريد نفعهم وخيرهم موقفاً سلبيًّا إلى أبعد الحدود .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 279
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٩