ولذلك نجد القرآن المجيد قد اختار أشدَّ المواضيع إثارةً في ابتدائه الحديث عن قصة النبي نوح ( ع ) ، وهو التكذيب غير المُتوقَّع .
ثم إن فعل التكذيب جاء بصيغة التأنيث ، مع أن فاعل الجملة ، وهو قَوْمُ قد يؤنَّث وقد يُذكَّر ؛ نظراً لأن صفة الجمع تؤنَّث ، لأنّ القوم مجموعة ، أو أمة ، أو طائفة .
والمعنى في ذلك : أن هنالك روحاً جمعية كانت تسود ميولهم ومواقفهم ، وهم كانوا مُتَّفقين ومنضوين تحت ظلال هذه الروح ، فكذّبوه جميعاً مدفوعين بهذه الروح الشريرة ، فكانت الصفة الغالبة لهؤلاء القوم هي التكذيب .
ولقد نسب القرآن هؤلاء القوم إلى النبي نوح ( ع ) مع أنهم كانت لهم نِسَبهم الخاصة بهم من مناطق ، وعشائر ، ولغات ، ومصالح ، وصفات أخرى . ولكن لماذا النسبة إلى نوحٍ ( ع ) وقد اتَّخذوه عدوًّا ؟
ربما لأهمية منزلته عند الله تعالى ، وطبيعة الدور الرسالي الذي أدّاه طيلة رسالته وحياته عموماً .
وأيضاً لعلّه لأن هذه العبارة القرآنية تُريد أن تُوضِّح أن ما تريد الحديث عنه ، وعن هذه الأمة ، هو ما يتعلَّق بهذه الشخصية النبوية العظيمة ، وليس أولئك بصفاتهم الخاصة المجرَّدة ؛ ومَنْ هم أولئك حتى يُفرد لهم القرآن حديثاً مميزاً ، لولا أن نوحاً رسول الله كان فيهم وبينهم ، لا سيما وأن كل إنسان يفقد قيمته ، ولا تعود لإمكاناته أهمية ما دام غريباً عن معايير الحق والإنسانية النزيهة ؟ .
2 - الْمُرْسَلينَ
رغم أن نوحاً ( ع ) كان رسولًا واحداً ، جاء التعبير بصيغة
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 280
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٠