يحجب عنهم بعض الحقائق ، رغم أنه قد أعطاهم من العلم الكثير ، لأنه تعالى فعّال لما يشاء ، يُعطي من يشاء ما يشاء وكيف يشاء ، كما يمنع عمّن يشاء ما يشاء ، وأنه تعالى لم يكتب على نفسه أن يُطْلِع أنبياءه وأولياءه على كل شيء ؛ إذ ليس من الضرورة أن يعرفوا كل شيء .
كقصة خليل الله إبراهيم ( ع ) ، الذي لا دليل على علمٍ مسبق لديه بما سيؤول إليه أمره لدى محاولة حرقه في نار نمرود . . كما لا دليل على علمه بأن الله تعالى سيكفيه أمر ذبح ابنه إسماعيل ( ع ) ، وافتدائه بذبح عظيم ، بعد أن رأى في منامه أن الله يأمره بذبح ولده .
وهكذا القيادة الربانية تُثبت جدارتها بقيادة أمة أراد ربُّنا لها الخلاص بما لديها من السبق بالإيمان ، والتوكُّل ، وصفاء القلب ، وخلوص النية .
ولعل هذه المميِّزات هي التي توافرت في شخص موسى ( ع ) ، لأنْ يُوكِل إليه الله عزَّ وجلَّ أمر ضرب البحر بعصاه لصناعة معجزة خرق البحر ، رغم أن الله تعالى قادر على أن يفعل ذلك بنفسه دونما فعلٍ من عبده موسى ( ع ) ، ودونما أن تكون العصا هي وسيلة ذلك ، وليكون ذلك آيةَ على قرب موسى من ربِّه .
إن موسى ( ع ) قد نصر ربَّه المتعال ، فنصره الله بأن كلّفه بهذه المهمة العظيمة والفريدة من نوعها .
هذا ، بالإضافة إلى أن الله عزَّ وجلَّ أراد أن يُبيِّن أهمية العصا - المعجز - . هذه العصا التي تحوَّلت إلى ثعبان مهيب تلقَّفت الحبال ، وأخافت فرعون وملئه إلى حدِّ الموت .
وها هي الآن تتحوَّل إلى أداة عجيبة قادرة - بإذن الله ربِّها الخالق
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 169
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٩