ولكن ما هو سر هذه المفارقة بين النبي موسى ( ع ) وشكوك أصحابه ؟ .
إنه الإيمان العظيم الذي كان يختزله موسى ( ع ) ؛ الإيمان بأن له ربًّا هادياً . . هذا الإيمان المتَّصف بكونه نافعاً - كل النفع - في ساعة العسرة ، ولحظة الحسم ، فتتبدَّد الظُّنون والرغبة في الحياة الهانئة .
لقد دحض النبي موسى ( ع ) شكوك أصحابه وما أثاره المنافقون من دعايات ، كان الهدف منها تشتيت جمعه عموماً ، أو حتى حملهم على الاعتذار إلى فرعون .
وحقًّا إن عبارة : إِنَّ مَعي رَبّي تُجسِّد مدرسة في الوعي ، والاستقامة ، وحسن التوكُّل . حيث لا يخاف من يعرف ربَّه شيئاً .
ولعل معنى مَعي أنه تعالى مُؤيِّده وناصره ، وأنه سوف يهديه ويكفيه ويُنجيه بلا ريب .
أما قول موسى ( ع ) : سَيَهْدينِ ، بإضافة حرف ( سين ) الدال على بعض التأخير ، فلعله هو إشارة إلى عظيم ثقته بالله تعالى ، وإنْ تأخَّر عليه النصر . فهو سبحانه وتعالى له الأمر من قبلُ ومن بعدُ .
ثم إن تأكيد موسى ( ع ) على أن الله سيهديه ، مع عدم إشارته الصريحة إلى أن ربَّه سينصره ، بمثابة تأكيد أنه جاهز لتوفير شروط النصر في نفسه بما يهديه إليه ربُّه الذي سينصره في نهاية المطاف .
وضمن الهداية الربانية يكون بمستطاع الإنسان أن يُفجِّر كل طاقاته ، ويستثمر كل ما وهبه الربُّ المتعال من الإمكانات .
وهذه لعمري نعمة عظيمة ، إذ يدعوه الله تعالى إلى مواجهة الصعوبات عبر تفجير كل طاقاته ، دون أن يستسلم ويذل إزاء أعدائه .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 166
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٦