ومن لا يؤمن بالآخرة لا يستطيع أن يتصرف بحكمة في الدنيا ؛ لأنهما تتكاملان . وإنما المؤمن بالآخرة يحسن التصرُّف في الدنيا ويكسب بما فيها الآخرة ، فهو قد فاز بكلتيهما .
والقرآن الكريم طالما أكد على هذه الفجوة والفارق الكبير جدًّا بين إنسان وإنسان ، رغم ما فيهما من تشابه ظاهري كبير . . والكتاب المجيد يضرب لنا المثل بالظل والحرور ، وبالأحياء والأموات ، وبالظلمة والنور . . وإذ لا يمكن القياس بين هذه النماذج ، كذلك لا يمكن قياس أهل الدنيا بأصحاب الجنة في الآخرة .
ولكن كيف يتسنى قطع المسافة الوسيعة بين الإيمان والكفر ؟ وهل يمكن تجاوزها بصورة عفوية أصلًا ؟ .
إن هذه الفجوة لا تُقطع بلا مكابدة وكفاح وكدح ، حيث إنها تُمثِّل الجسر الطويل بين الجنة والنار .
فكيف إذاً نقطع هذه المسافة ؟ إنما يكون ذلك بسعي متواصل إلى الكمال النفسي عبر محاسبة الذات والمراقبة والتهذيب . . وأيضاً عبر كل الوسائل الممكنة والمتاحة لإحداث التحوُّل في ذواتنا لتصبح نفوسنا كاملة وقادرة على استشراف الحقائق والوصول إلى معايشة الآخرة .
ومن هنا وللتخلُّص من الريب في البعث ينبغي للمرء أن ينظر إلى واقع نفسه الذي يمثل قطعة رائعة من سنن الله في الحياة ، بل وآية سامية لأسمائه الحسنى . فنفس البشر هي الأقرب إليه من أي خلق آخر ، ولكن كيف يتم لنا ذلك ؟ .
مع أن الحقائق كلها تشير إلى أن الحياة الآخرة حق ، إلَّا أن الوساوس الشيطانية تحجب عن ضعاف النفوس هذا الحق ، فإذا بهذا
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 35
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥