تفصيل القول
بعد أن عاب الله تعالى على الكفار الذين ما قَدَّروه حق قدره وتجاهلوا أسماءه الحسنى فلم يتوجَّهوا إليه ، ذكَّرنا السياق القرآني هنا بضرورة أن تكون حركة الإنسان في الحياة حركة مستقيمة وكادحة إلى الله عز وجل ؛ لأن الانحراف - أي انحراف - قد يُؤدي إلى الهاوية ، ولن يُعذر البشر لدى اختيار طريق خاص بهم يرسمونه لأنفسهم ؛ لأن الله تعالى هو وحده دون غيره - الذي يصطفي من الملائكة ومن البشر رسلًا لهداية الناس إليه ، وأنهم دون سواهم يقودون الناس إليه تعالى ؛ يقودونهم في إطار الدين الحاوي للعقيدة الصحيحة والتشريع القويم والخلق الفاضل .
والآية أعلاه تكشف لنا جانباً هو الأهم فيما يتعلَّق بفحوى الرسالات الإلهية التي كُلِّفَ بها المصطفون من قبل الله تعالى . . وخلاصتها العبادة ، حيث إن الله تبارك وتعالى ما خلق الجن والإنس إلَّا ليعبدوه وحده لا شريك له .
والعبادة هي التقرُّب إلى الله تعالى والتذلُّل لمقامه الأقدس ، والاستعانة به ، والتماس الخير منه ، ويتضمَّن ذلك طرد الأغيار . ولا ريب أن للعبادة شعائر خاصة أراد الله تعالى أن يُعبد من خلالها ، فلم يعد صحيحاً أن يجعل الإنسان تلكم الشعائر وراء ظهره ويختار طريقة خاصة به ؛ لأن التعبد بالشعائر الإلهية هو النوع الوحيد لتحقيق العبادة .
1 - يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
بلى ؛ إن العبادة هي الطاعة والخشوع والتسليم لله عز اسمه . . وكل ذلك يُمكن إيجازه بمفردة التوجُّه إلى الرَّبِّ الخالق الواحد الأحد .
ولا ريب أن نسبة المخلوق إلى خالقه هي نسبة الأخذ والتزوُّد ؛
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 319
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١٩