وما أفظع كفران العبد بنعم سيده الخالق ! وهذا يعني أن الكفور ليس الكافر العقائدي على طور الحتم . . وبهذه الحقيقة يُبيِّن الله تعالى لنا مفهوماً قد يكون الكثير من الناس - ومنهم المسلمون - غافلين عنه ، وهو أن الكفر بالنعم ، وظن السوء بالقضاء والقدر لا يقلّ سوءاً عن الكفر العقائدي بالله سبحانه وتعالى وإنكار وجوده أو الشرك به .
إن انعدام الشكر من الإنسان لله على أنه خلقه ورحمه وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة يعني سقوطه في حضيض الكفر . وصفتا الخيانة والكفر ذاتا جذور واحدة ومشتركة ومتشابكة ، وحيث تنحرف النفس الإنسانية إلى هذا الحد ، وحينما تكون الرؤية غير صحيحة والبصيرة عمياء . . ترى الصفات السيئة تصدر تباعاً .
وهذه الآية بمثابة الممهدة للآية التالية ، حيث إنّ الحديث القرآني هنا هو عن الحج ، وعن بلورة وصياغة الشخصية الإنسانية صياغة ربانية رائعة . . هذا وقد سبق - من خلال الآية السابقة - الحديث عن أن من غايات أداء فريضة الحج أن يرقى الإنسان الحاج إلى مستوى تقديم الشكر له سبحانه
وتعالى : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ بمعنى إيضاح وفرض التوازن بين معنى ومفهوم الآيتين .
ثم إنه تعالى يقول في آيةٍ سابقة : لِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ وهنا يقول : لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ . فالصفات المثلى تتبلور في الإنسان الحاجّ حين يحجّ ، فيصوغ شخصيته تلك الصياغة الإيمانية العرفانية ، وبهذه الشخصية يتسلَّح حين يُجاهد أعداء الله وينطلق ضمن سبيله القويم .
* * *
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 161
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦١