وترى ما في الأرض مسخرة لك ذليلة امامك . وفي البحار حيث تجري الفلك بأمر الله ، ترى مدى النعمة عليك . ثم تنظر إلى السماء فتخشى ان تنزل عليك ، ( وتتصادم نجومها ) إلا أن الله أمسكها عنك ، فتسائل نفسك : افليس من احاطني بهذه النعم رؤوفاً رحيماً ، ومن هو أوسع رحمة من الله ؟
ان هذا النوع من البيان ليس طرازاً رفيعاً من الأدب الموجه فقط ، - إن صادف ذلك - بل إنه المنهج العلمي الذي يهدينا فعلًا إلى الله الكبير . فنحن عاجزون ، بطبيعة المحدودية التي بنا ، عن أن نفكر في الخالق الذي لا تحيط به الحدود ، فكان لابد ان ننظر إلى المخلوقات التي نشترك وإياها في المحدودية . . لنجعلها معبراً إلى معرفة الخالق . التفكير انما هو في المحدود . وكلما تعمقنا في معرفة حدوده وآيات عجزه أو سمات كماله . . توضح لدينا أكثر فأكثر صفة " المخلوقية فيه " ، وبالطبع نهتدي هناك إلى بعض آيات الله ، لأنه مباين مع مخلوقيه . .
فالمنهج القرآني يكرّس بيانه لمعرفة المخلوق ، والنظر اليه وملاحظة جوانب الحاجة فيه ، على أن ذلك معبر إلى الله تعالى !
وهذا هو الطابع الذي يميز الحضارة القرآنية عن جاهليات الفلسفة الإغريقية التي تعمقت في ذات الله بعيداً عن النظر إلى آياته ، فضلّت ضلالًا بعيداً .
إن الله تعالى يقول : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
بحوث في القرآن الحكيم — صفحة 83
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٣