وقبل ان نختم الحديث عن الله ينبغي ان نعرف ان النظر في الحياة يهدينا إلى أن كل شيء مقدر تقديراً مناسباً ليحقق هدفاً معلوماً ، مما يدل على أن المجموع ايضاً خلق لهدف معين ، وهذا لا يهدينا فقط إلى حكمة الله البالغة ، بل وايضاً إلى عقلانية الحياة ، فليس اللانظام يشغل ولا مساحة بوصة واحدة من هذا الكون الفسيح ، ولا نظام الا لحكمة معينة .
ومن حكمة الله التامة تنبثق نظرة القرآن إلى " هدفية حياة الانسان " ، فليست الحياة عبثاً ولهواً أراد بها الله سبحانه اللعب أو أراد بها تنكيلًا ، انما خلق الانسان وقدره ، وبيّن له السُبل ويسّرها لكي يخضع للتقدير فيفلح ، اما إذا اختار العكس فإنه سيهوي إلى مكان سحيق .
ففي الدنيا سيشتري ضنكاً في العيش وقارعة وراء قارعة ، اما في الآخرة فسيجزي الله الذين آمنوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ابداً .
ان هدفية الحياة تهدينا إلى ضرورة الحساب . فإذ لا نجد في الدنيا حساباً دقيقاً وحاسماً للانسان نتطلع إلى الآخرة التي سيحاسب فيها الكافر حساباً عسيراً ، ويلقى جزاءه موفوراً .
فمعرفة اليوم الآخر نابعة من معرفة الله وبالذات من معرفة صفتي الحكمة والقدرة فيه ، إذ الحكمة هي التي تهدينا إلى ضرورة الآخرة والقدرة إلى امكانها .
ومعالجة القرآن للقيامة ، آتية من هاتين الزاويتين ، وكلّما كملت فيه معرفة صفتي الحكمة والقدرة كلما زادت معرفته بالساعة ، ودقة حسابها .
بحوث في القرآن الحكيم — صفحة 84
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٤