سبحانه وتعالى خلق في الذكر رغبة باتجاه الأنثى ، كما خلق فيها رغبة فيه ، فكانا معًا ، زوجًا كريمًا . وكذلك الأمر بالنسبة إلى كلّ شيء في هذه الأرض ، إذ هناك حاجة متبادلة ، وهي التي تحافظ على كرامة الأطراف كلّها ، باعتبار أن كلّ طرف لا يحتاج إلى الآخر إلَّا بنسبة حاجة الآخر إليه ، وهنا يحتفظ بالكرامة .
والحديث عن الكرامة حديث غريب في القرآن الحكيم ؛ لأن القرآن يرشدنا إلى أن مع الخلقة كانت الكرامة من الله الذي جعل الأشياء في مستوًى من العيش ومن النعم ، وفي مستوى من العطاء الذي يستشعرون فيه الكرامة ، وهذه في الواقع لفتة قرآنية فذّة .
ولك أن تتصوّر شجرة في بيتك ، ولك أن تفكّر لدى مشاهدتك لها في عديد نعم الله سبحانه وتعالى التي أسبغها على هذه الشجرة ، ولتكن شجرة تفاح مثلًا ، بجمالها وأناقتها وقوّتها وعطائها وإعطائها رزقها من مواد الأرض وأشعّة الشمس وماء السماء وعشرات الحاجات الأخرى .
وإنك قد تشاهد شجرة يانعة على مرتفع شاهق في جبل ، فتجهل كلّ أسباب وجودها ، لمعرفتك أنها قد نبتت وأينعت دون تدخل إنسان ، وهي صامدة رغم ما تصادف من حرٍّ وبرد وجفاف وغير ذلك . وقد يتأتّى لك أن تكتشف أن طائرًا ما قد حمل في منقاره ذات مرّة بذرة فسقطت من فيه ، حتى مرّ عليها زمن فأنبتت وأينعت شجرة ، بعد أن رعتها سنن الرب في الطبيعة بإذنه تعالى .
إذن ؛ فربّنا سبحانه وتعالى حينما خلق الخلق كلّهم ، من إنسان إلى حيوان وإلى نبات ، وإلى أرض وقمر وشمس . . تفضل عليها من النعم وأسباب الوجود ، ما جعلها به غنيَّةً ، وهذه هي
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 93
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٣