والمؤمن يمتاز بصفة الرضا ، والرضا نصف السعادة . وهذا الرضا يفتح أمام عينيه أفقًا راقيًا . كيف ؟
إن السعادة تقضي إما بتكيُّف الحياة مع الذات ، أو بتكيُّف الذات مع الحياة . فإذا تمكّن المؤمن من الخيار الأوّل فبها ونعمت ، وإلَّا كيَّف نفسه مع الحياة بما لا يسقط به في المحاذير ، ورضي بما قسم الله له .
لذا ينبغي علينا أن نطلب من الله تعالى أن يرزقنا من اليقين ما يهوّن علينا مصائب الدنيا ونرضى بما قسم لنا . وهذا الرضا جزء أساسي من السعادة ؛ لأن السعادة قبل أن تكون في واقع الإنسان هي في قلبه .
وكلمة رائعة هذه التي يبينها ربّنا المتعال في الآية الخامسة من السورة المباركة ، حيث يقول : أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ . إذ الفلاح غير السعادة ؛ لأن المرء قد يكون سعيدًا بنفسه ، ولكنه من الخطأ أن يتخيّل السعادة فيما أخوه أو صديقه أو جاره يعاني الشقاء ، فتلك ليست بالسعادة الحقيقيّة ، لا سيّما وأن الإنسان لا يستطيع العيش في جزيرة آمنة ومن حوله بحر من الشقاء ، مما يعني لزوم سعيه لإحراز الخير له وللآخرين . وهذا هو الفرق بين كلمتي السعادة والفلاح .
ثم إنّ السعادة الإيمانية لا تقتصر على الدنيا فحسب ، وإنما هي تمتد إلى البرزخ وإلى يوم القيامة ، وعند الميزان ، وعند الصراط المؤدّي إلى الجنّة . وكلمة الفلاح تشمل كلّ هذه الأبعاد لسعادة الإنسان .
والإنسان ينبغي أن ينفض عن نفسه غبار الخمول والجمود .
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 47
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٧