لنضرب مثلًا على ذلك ، ثم نُبيّن هذه البصيرة الأساسيّة في القرآن الكريم .
أقول : إنّ علماء الفيزياء حينما يحاولون الكشف عن قوانين الحركة في المجرة وهي أكبر وحدة كونيّة تعرَّف إليها الإنسان حتى الآن يتبيّن لهم وجود مجموعة قوانين وأنظمة . وعلماء الفيزياء المختصّون بعلم الذرّة من جانبهم حينما يفلقون الذرّة ، يحاولون أيضًا اكتشاف حركتها وطبيعة الأنظمة الحاكمة على جزئياتها . وهؤلاء وأولئك يكتشفون تطابقًا هائلًا بين قوانين صفحة المجرة وصفحة الذرّة ، رغم تفاوت الحجم بين الصفحتين . مما يدعوهم جميعًا إلى التأكّد من أن خالق المجرة هو نفسه خالق الذرّة ، إذ الخلقة واحدة .
وهكذا نتعرّف إلى أن خلقة إنسان واحد كخلقة كل البشر ، وخلقة كل البشر كخلقة إنسان واحد ، إذ القانون هنا هو نفسه القانون هناك .
وحينما نسير في هذا الكون الرحب ، وهذه الفضاءات الآخذة بالاتساع العجيب ، والتي لا يكاد الخيال يعرف حدودها ، ثم نقف عند كل ظاهرة ، وعند كل مجرة وكوكب وشمس وطاقة وموجة قصيرة أو طويلة . . نجد القوانين نفسها ، فنعرف وحدانيّة الربّ الخالق .
وهذه الحقيقة تعطينا بصيرة في العلم ، والعلم هو معرفة أمرين متداخلين ، وما يميز الشيء عن الشيء الآخر ، وما يجمع الشيء مع الشيء الآخر ؛ أي كل شيئين يجمعهما قانون ويفرقهما قانون .
يقول ربّنا المتعال في الآية السابعة والعشرين : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 237
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٧