الأسرة أصل الحياة الإنسانية
ونظرًا إلى أن الأسرة هي الأساس في الوجود الإنساني ، وأن الأسرة الفاضلة هي اللبنة الأصلية في حضارة الأمّة ، ونظرًا إلى أن نمو الحضارة متعلّق بطبيعة نمو الكيان الأسري . . نظرًا لكلّ ذلك ، فإننا ننتهي إلى القول بتقسيماته التالية :
أوّلًا : إنّ الإنسان هو ابن تاريخه ؛ أي أنه من جملة الأحياء التي تمتد فترة طفولتها مدّة طويلة ، وهي في الواقع فترة التلقي ، ويتمكّن إبانها من تلقي الأخلاق والآداب والمعارف من والديه ، ولعلّ هذه الفترة تستمر عند البعض إلى آخر حياتهم ، تبعًا لطبيعة موقفهم التابع لوالديهم . . وهذه الفترة هي فترة نموذجيّة لبناء ظاهر الإنسان وباطنه ، حيث أوّل ما يتلقّى عنهما اللغة التي يعبّر بها عن إرادته ونيّته وتطلّعه وفكره . ومن خلال وعاء اللغة يستفيد منها محتوياتها ، ومحتوياتها هي ركائز الحضارة ، بما فيها المعلومات ومنهجيّة التفكير والآداب والأخلاق والقناعات .
إذن ؛ فالأسرة وعاء حري بانتقال كلّ التجارب التاريخية إلى الجيل الآخر ؛ ليس من خلال الجيل المتصل فحسب ، وإنما عبر الأجيال القديمة عمومًا ؛ أي كلّ الحضارة التاريخيّة ، من لدن آدم عليه السلام إلى الوالدين . وهذا كلّه من إنجازات الانتماء إلى الأسرة والعيش ضمن واقع اجتماعي محدّد .
أمّا الإنسان البدائي البعيد عن الحياة الأسرية المعروفة ، فمن الممكن أن يقضي كلّ أيام عمره دون أن يتمكّن من تعلّم ما يتعلّمه طفل بصورة طبيعيّة وآلية ضمن نطاق الأسرة .