جيم : الجهل بهدف النعمة :
أو أن الإنسان يستفيد من النعمة ويتعامل معها ، ولكن دون أن يضع لهذه الاستفادة أهدافًا صحيحة . كأن يستثمر النعمة في إطار التكبّر على الآخرين أو تحطيمهم أو ابتزازهم ، مما يكشف حقيقة أن بعض الأفراد لا يصلحهم إلَّا الفقر ، فإذا أوتوا مالًا تكبّروا به وتجبّروا وفقدوا أصدقائهم ، فهم لا يضعون لاستفادتهم من النعم أهدافًا صحيحة .
وهذه الحقائق تظهر وتتجلّى عندما نلاحظها في المجتمعات والأمم ، لأنها تكبر على الصعيد الجمعي ، ويبدو خطّه البياني متصاعداً حينما تتحلّى الأمّة بفضيلة الشكر ، أو متنازلًا حينما يستولي عليها الكفر .
ففرعون مثلًا لم يمارس الظلم ، ولم يستضعف بني إسرائيل ، ولم يرفض دعوة موسى وهارون عليهما السلام ، ولم يغتر بما لديه من وسائل وطاقات ، ولم يدّعِ الربوبيّة . . إلَّا في خضم جهله بسبل استثمار ما لديه من النعم ، حيث وضع لها أهدافًا غير صالحة .
وكذلك قوم عاد الذين استطاعوا أن يُشيِّدوا حضارة في جنوب الجزيرة العربيّة ، ولكنّهم بطروا واستكبروا واغترّوا بالنعم التي أُسبغت عليهم ، فراحوا يبطشون جبّارين ، فأُهلكوا بعذاب العواصف والأعاصير .
ولا يذكر لنا القرآن المجيد أمثال الأقوام والحضارات السالفة لكي نتسلّى بها ، وإنما لكي نعتبر بقصصهم وأحوالهم .
قال الله سبحانه : وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 124
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٤