أن خلق الله الإنسان ، وحمَّله الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرضون والجبال بينما حملها الانسان ؛ منذ ذلك الحين قُرنت الفتنة به ، كما قال ربنا تعالى : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً « 1 » .
وهكذا كان الابتلاء ملازمًا للإنسان منذ خلقته ؛ لأن الله خلق الإنسان من نطفة أمشاج ، يعني فيه جانب خير وجانب شر . كما قال تعالى في آية كريمة : وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ « 2 » .
فإنَّا شئنا أم أبينا وما دمنا في هذه الدنيا نُبتلى .
فهنا قاعة امتحان ، ولذلك علينا أن نُهيِّئ أنفسنا لمواجهة الفتنة . ومن الفتن الأساسية للإنسان فتنة الإنسان بالآخر . الأب يُبتلى بابنه ، والابن يُبتلى بأبيه ، وهما يُبتليان بالزوجة والأم ، كذلك الغني يُبتلى بالفقير والحاكم بالرعية والعكس كذلك ، والناس يُبتلى بعضهم ببعض حتى الجار يُبتلى بجاره . وهذا الابتلاء سنة تقع سائر الأحكام الشرعية في إطارها ؛ يعني ليست هناك في الحقيقة شريعة من أحكام الدين إلَّا والفتنة جوهرها ، وابتعاث الأنبياء من صلب هذه الفتنة . كذلك في مجال الأنبياء حيث بعث الله الأنبياء بشرًا ورسلًا . ولو أن الله تعالى بعث ملكًا إلى الأرض رسولًا وكانت معه جيوش من الملائكة وحراب وأسلحة فوق قدرة البشر
هامش
( 1 ) سورة الإنسان ، آية : 1 - 2 .
( 2 ) سورة البلد ، آية : 10 - 17 .