فيما هو مبعوث لإخبار الناس في أن لدى كل واحدٍ واحدٍ منهم كنوزًا من العقل والفطرة ، وفرصًا لتسخير ما في الأرض من نعم في سبيل تقدمهم ، وأن الكنز الحقيقي هو الإيمان بالله وتوثيق الصلة به تبارك وتعالى .
وهكذا ترى الكافرين قد تجاهلوا حقيقة النبوة ، ولم ينتفعوا ببصائرهم ليروا بها حقيقة الدعوة الرسالية ، وما أعدَّ الله تعالى لهم من كنوز الفضيلة والرحمة في الدنيا وجنان الخلد في الآخرة .
2 - أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا .
بعد أن حبس الكافرون أنفسهم في زنزانة الدنيا المادية ، أنكروا حقيقة هامة هي : أن الرزق من الله تعالى ؛ فتصوروا أن مَنْ لديه بستانًا مثلًا إنما امتلكه من عند نفسه ، ولم يعلموا أنه من عند ربهم . ومن هنا تمادى كفار قريش في الغي حتى قالوا : لماذا لم يُنزَل القرآن على رجل من القريتين عظيم ؟ . أي من مكة والطائف ، وهما اللتان كان فيهما مَنْ يملك من المزارع والبساتين والمواشي ما شاء الله له أن يملك .
كل هذه أمثلة على الاضطراب في المقاييس . فالكافرون اعترضوا في البداية على الرسول الصادق الأمين ( ص ) لكونه يأكل الطعام ، والآن يقترحون عليه أن تكون له جنة يأكل منها .
حقًّا إن من يُعرِض عن ذكر الله يُصاب باضطراب في أفكاره ومقاييسه ، كما يُصاب بالضنك والعسر في رزقه . وهذا التقييم الخاطئ للفكر ولرجاله يُصيب الناس في كل عصر في مواجهة الدعوات الإصلاحية ، حيث لا ينظرون إلى محتوى الدعوة ، بل إلى رجالها كم يملكون من سطوة وثروة . وكان عليهم أن ينظروا إليهم كم يملكون من صدق وأمانة .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 49
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٩