وإنما بصدقة أيضًا .
كما أنهم قالوا : إن هذا الكتاب إفك ؛ فرُدَّت مقولتهم عليهم ، وتحوَّلت إلى شهادة . كيف ؟
لأن كلمة الإفك تدل - وحاشا لله - على كذبة متكاملة ، ولكن غير صحيحة . وهكذا تختلف لفظة الكذب عن الإفك ؛ لأن الكذب معناه عدم مطابقة الواقع ، ولكن الإفك معناه وجود أفكار منظمة تفرض نفسها على الإنسان فرضًا وتنتشر بسرعة في الناس . وهكذا كانت دعواهم ذات دلالة على مدى تأثير الكتاب في الناس . فإذا تأملنا في الكتاب وجدناه غير متناقض ، بل هو مطابق للفطرة وللحقائق ، وهكذا السنن الإلهية .
أصبح القوم ، وبهذه الكلمة ، قد اعترفوا ببلاغة القرآن وفصاحته وتأثيره ، ولكن عبَّروا عن هذه البلاغة والفصاحة والتأثير تعبيرًا خاطئًا ، فقالوا : إنه إفك . ثم هؤلاء حينما طرحوا شبهة الإفك وقالوا : هذا إفك ؛ قال بعض للآخر : لا يمكن لإنسان واحد أن يحبك هذا الإفك العظيم . هنا اضطروا إلى أن يقولوا : إن هناك آخرين تعاونوا معه .
دعنا نقرأ هذه الآية الكريمة : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هؤلاء كفروا حينما بحثوا عن تبرير لكفرهم ، فإذا بهم يُفتشون عن كلمة لكي يُفسِّروا ما في القرآن الكريم من حقائق . فقالوا : إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ
ثم رأوا أن الإفك لا يمكن أن يُفسِّر كل هذه المنظومة المتكاملة من الكلمات المضيئة ، فقالوا : افْتَرَاهُ ، وهي - في الحقيقة - كلمة أخرى تدل على مدى بلاغة القرآن ، يعني كلام أتعب عليه صاحبه نفسه حتى أتقن حبكه . حاشا لله .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 31
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١