الحضاري إنما هو التنمية الزراعية ، وهي رهينة الغيث . ولعل بقية الآية تشير إلى هذه الحقيقة .
6 - وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً .
ومن فوائد الماء المنزل من السماء - غير إحياء الأراضي الميتة - سقي المخلوقات والأنعام لترعى ، بل وليشرب منها أناس كثيرون ، وهم بدورهم سينتفعون من لحوم وأصواف ولبن تلكم الأنعام ، إضافة إلى انتفاعهم من قوَّتها لدى أسفارهم .
ويبدو من مفهوم الآية ، أن تكاثر أعداد البشر منوط إلى حدٍّ كبير جدًّا بكثرة الأمطار ووفره المياه . ولعل تقديم كلمة مِمَّا خَلَقْنَا للدلالة على أن الخالق هو الرازق . فمن قدَّر الخلق قدَّر لما خلق الرزق ، والرزق يكون مقدارًا حسب حاجة الخلق . وكأنه جاء التعبير ب - ( ما ) وليس ( من ) لأن ما خلق الله من أصناف غير ذوي العقول أكثر عددًا وأوسع حاجة إلى الماء .
بصائر وأحكام :
الرياح المبشرات من لطيف صنع الله تعالى ، والتي هي الغاية في الإتقان . . حيث يُصوِّرها لنا القرآن داعيًا إلى التأمل فيها ليزداد الإنسان يقينًا ؛ فلا تكون نظراته إلى الكائنات وظواهرها نظرة سطحية ؛ لأن هذا النوع من النظر لا يصل بالناظر إلى إغناء الفكر بالعبرة ولا إغناء الروح بالإيمان .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 207
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠٧