في المعاناة ، حيث كان قوم نوح قد ماتوا بالإغراق ، فكان موتهم موتًا بطيئًا ، حتى أصبحوا بهذه الإماتة أحدوثة تلوكها ألسن البشر عبر التاريخ . فسحق الله تعالى القوم المُكذِّبين بعذابه الأليم ، بينما نَجَّى الثلة القليلة من المؤمنين برسالة نوح عليه السلام ، الذين ركبوا سفينتهم التي صنعها لهم نبيهم بإرادة الله وإرشاده .
وهكذا يُنجِّي الله الصالحين إذا لجؤوا إلى كهف التسليم لأولياء الله وركبوا سفينة النجاة الممتثلة في طاعة أئمة الهدى .
وهكذا جرت حوادت التاريخ ؛ هلاك قومٍ ونجاة آخرين . ليعرف العالم بأسره أن وراء هلاك الظالمين المكذبين ، كما وأن وراء نجاة المؤمنين ، يد الله عز وجل ، هذه اليد المنتقمة من أعدائها ، الرحيمة بأوليائها . وأن من الخطأ الكبير تفسير حركة التاريخ بمعزل عن إرادة الله تعالى ، لا سيما إذا كان الأمر متعلقًا بتكذيب أو تصديق رسله ورسالاته .
بصائر وأحكام :
1 - ليعرف المهتم بمصيره أن نظرته إلى الحضارات السابقة ينبغي ألَّا تكون إلى ما خلفته من البناء التقني والمنتوج الفني ، وإنما إلى العوامل التي قضت عليها ودمرتها ؛ ليعرف حقيقة الحضارة ودورتها التاريخية ، ويتخذ منها عبرة تنفعه في حياته .
2 - من سنن الله تعالى في خلقه ، أنه يعد الصالحين سعادة وخيرًا ، فيما يُوعَد المكذبين عذابًا . وكلما كان ظلم الظالمين أشد كان عذابهم أكثر ألمًا .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 167
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٧