بين نِداءَي الحق والباطل في ذات الإنسان - بما لا يبلغه حتى الخيال . . وكذلك حديثه سبحانه وتعالى عن النار .
وما ذاك إلَّا لأننا - نحن بني آدم - مُبتلَون بمسألة الخلط بين الحق والباطل . هذا الخلط ، باعتباره جزءًا أساسيّا من الامتحان الذي كُتب علينا في حياتنا الدنيا . فنحن إنما وُضِعنا في ساحة مُغبّرة ، وكُلِّفنا بتبصُّر العلامات الفارقة في تشعبات تلكم الساحة المغبّرة . . و ( الفرقان ) الكريم خير مُعين لنا في إنجازنا هذه المهمة المُستعصية .
وقد ورد الحديث عن الجنة في هذه الآيات تاليًا للحديث عن النار ؛ لأن الحديث عن النار أسرع وأشد تحريكًا للوجدان الإنساني وعصفًا بضميره .
ولكن يبقى وصف الاستقرار وحسن المقيل بالنسبة لأصحاب الجنة في يومهم الذي يدخلون إليها ، ذا معنيين :
الأول : إن ابن آدم يبحث عن الاستقرار والأمن والخلود ، وهذا ما لا يجده في غير الجنة ؛ إذ الموت مارد فاغر فاه فوق رأسه في الحياة الدنيا ، ولا يمكن النجاة منه أبدًا .
الثاني : والاستقرار لا يكون استقرارًا مشوبًا باضطراب . والأحسن مقيلًا هو الفائق على كل حسن .
فأصحاب الجنة يتلبسون بهذا العنوان - مصاحبة الجنة - منذ مفارقتهم الحياة الدنيا ، حين تطبق جفوفهم بعد خروج أرواحهم من أبدانهم وحملهم إلى قبورهم وجلوسهم إلى حياة القبور في البرزخ ، وحتى يقفوا بين يدي الرحمن الرحيم ليحاسبهم ويناولهم كتبهم بأيمانهم ويُؤمر بهم إلى جنان خلده .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 113
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٣