وبالجملة فإنه إذا أفاض اللّه نعمة على أمة أو فرد ، فإن كان المنعم عليه صالحا كان ذلك نعمة انعمها عليه وامتحانا يمتحنه به تارة وجزاء ومثوبة لاعماله الصالحة تارة أخرى . وان كان المنعم عليه طالحا كان ذلك في حقه نقمة ومكرا واستدراجا واملاء . « ويمكرون ويمكر اللّه . واللّه خير الماكرين » « 1 » « سنستدرجهم من حيث لا يعلمون » « 2 » « واملى لهم ان كيدي متين » « 3 » .
وإذا نزلت النوازل والمصائب والبلايا على قوم أو فرد ، فإن كان المصاب صالحا كان ذلك فتنة ومحنة يمتحن اللّه به عباده ليميز الخبيث من الطيب وموجبا لترفيع درجته ، وان كان المصاب طالحا كان ذلك أخذا بالنقمة وعقابا لاعماله .
فليس ابتلاء الانسان بالفقر والمصائب دليلا على كونه طالحا وانها إهانة له وكذلك ليس وفور النعم ونزول البركات عليه دليلا على كونه صالحا وكون هذا اكراما له . قال اللّه تعالى : « فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن كلا . . . » « 4 » .
وفي قوله تعالى : « وما أرسلنا في قرية من نبي الا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباؤنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون » « 5 » إشارة إلى الاخذ بالبأساء والصراء مقدمة للتضرع والرجوع اليه تعالى ، ثم إلى سنة الاخذ بتبديل السيئة بالحسنة ، وهي سنة الاستدراج « 6 » .
* * *
هامش
( 1 ) الأنفال 8 : الآية 30 .
( 2 ) الأعراف 7 : الآية 182 . القلم 68 : الآية 44 .
( 3 ) الأعراف 7 : الآية 183 . القلم 68 : الآية 45 .
( 4 ) الفجر 89 : الآية 14 .
( 5 ) الأعراف 7 : الآية 95 .
( 6 ) الميزان في تفسير القرآن ج 2 و 8 .