تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
أولئك اعتدنا لهم عذاباً اليماً » . « 1 » فهو في بيان أمور هامّة ولا دلالة له على بيان الشرطيّة ايضاً . توضيح ذلك ، انّ الإنسان قد يذنب لغلبة الهوى والنّفس الأمّارة فحينئذٍ علمه بمضرّات الذّنب محجوب بالهوى ويطلق على هذا المذنب الجاهل لغةً واصطلاحاً وعرفاً ، ولعلّ السرّ فيه انّ العلم لا يؤثّر فيه حينئذ ، بل بعد دفع الشّهوة والهوى يحصل للمذنب حال الندم ، فكأنّه ليس حينئذٍ له علمٌ بقبح عمله . وأمّا لو كان ذنبه عن عناد ولجاج بل لعادةٍ أو للتّوجيهات والوساوس الشّيطانيّة فحصول الندم بعد الذّنب مشكل جدّاً وقد اطلق اللَّه تعالى عليه الضّلالة مع علمٍ . قال : « واضلّه اللَّه على علمٍ » . « 2 » والقرآن في هذه الشّريفة ينبّه الإنسان رحمةً وتفضّلًا على أن لا توبة للعالم بفعله ، قال « انّما التوبة على اللَّه للّذين يعملون السّوء بجهالةٍ » . فهي تحذّر العنيد اللاجّ عن اغتراف المعاصي ، مشيرةً إلى أن لا توبة له . وأمّا قوله تعالى : « ثمّ يتوبون من قريب » فهو لطف وتنبيه رحمانىّ آخر وهو تحذير عن تسويف التوبة لانّ تأخيرها وعدم الاهتمام بها ينسى الذنب شيئاً فشيئاً بل كثيراً ما تحصل له حالة الاستدراج والانغمار في الذّنوب من غير التفات منه إليها فتسوّد الذنوب صحيفة قلبه وحينئذ لا فلاح له ابداً والذكر الحكيم أخبر عن سوء حاله بما اطلق عليه من كلمة الويل : قال تعالى : « فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللَّه » . « 3 » وأمّا قوله تعالى : « وليست التّوبة للّذين يعملون السيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال انّى تبت الآن » . فهو لطف ثالث وتحذير آخر وهو انّ الإنسان إذا رأى العذاب
هامش
( 1 ) - / النّساء / 17 ، 18 ( 2 ) - / الجاثية / 23 ( 3 ) - / الزّمر / 22
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 95 | الشيخ حسين المظاهري