تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
أمير المؤمنين عليه السلام في قوله لمن قال بحضرته استغفراللَّه : ثكلتك امّك ، أتدري ما الاستغفار ؟ الاستغفار درجة العلّيّين وهو اسم واقع على ستّة معان : اوّلها النّدم على ما مضى ، والثّانى العزم على ترك العود إليه ابداً ، والثالث ان تؤدّى إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى اللَّه وليس عليك تبعة ، والرابع ان تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّى حقّها ، والخامس ان تعمد إلى اللّحم الّذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، والسّادس ان تذيق الجسم ألم الطّاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول : استغفراللَّه . « 1 » ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكلام بصدد الحصر لانّ استقامة التائب وثباته على الشّرع والعمل بالصّالحات من المراتب الّتي أصرّ عليها القرآن ، أمّا شدّة البكاء والحزن والاستحياء ونحو ذلك فهي من مراتبها عند أهل القلوب لا من مراتبها الّتي لا توبة إلّا بها حتّى روى انّ آدم عليه السلام لم يرفع رأسه إلى السّماء استحياءً من اللَّه تعالى منذ مأتى سنة . كما انّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن بصدد بيان الشّرائط حتّى يقال إن الأخيرين من شروط الكمال والباقي من شروط الصحّة . ولعلّ قوله عليه السلام « وهو اسم واقع على ستّة معان » يفيد انّ التوبة هي النّدم فقط ولكن لها مراتب ضعفاً وشدّةً . وجملة القول في هذا انّ التوبة أمر بسيط مقول بالتشكيك فاوّل مراتبها الّذي به يتحقّق التوبة هو الندم وهي نار إذا أوقدت في قلب عبدٍ واطّلعت عليه تحرق الكدورات وتنوّر القلب وتخلصه من الظّلمات ويحصل الرّبط بينه وبين اللَّه ولو غفل عن سائر المراتب ، ويكون مصداقاً لقوله تعالى : « يا عبادي الّذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه انّ اللَّه يغفر الذّنوب جميعاً » . « 2 »
هامش
( 1 ) - / نهج البلاغة ، كلمات القصار 417 ( 2 ) - / الزّمر / 53