وممّا يمتاز هذه الفضيلة - أي فضيلة العزلة - عن سائر الفضائل انّ ضدّها ايضاً فضيلة ، فالعزلة فضيلة عظيمة تترتّب عليها آثار عظيمة ، والألفة ايضاً فضيلة مهمّة تترتّب عليها فوائد كثيرة ، فلابدّ لمن يريد التّحلية ان يحلّى بهاتين الفضيلتين ويستفيد من كلّ واحدٍ منهما فيما يخصّه من الموارد وليس بين الفضائل ما هو بهذه المثابة لانّ الشّجاعة على سبيل المثال فضيلة ولكن ضدّها وهو الجبن أو التهوّر ليس بفضيلة بل انّهما من الرّذائل بحيث يجب الاجتناب عنهما ، والسّخاوة فضيلة وضدّها وهو البخل رذيلة يجب التّخلية عنها ، والعدالة فضيلة وضدّها الظلم أو الانظلام ويلزم الاجتناب عنهما ، والقناعة فضيلة وضدّها الطّمع الّذي التخلية عنها واجب ، والتّواضع فضيلة وضدّها الكبر رذيلة موبقة توجب الخسران ، والحلم فضيلة وضدّها الغضب رذيلة ان اشتعلت تحرق الدين ، وهكذا وقد مرّت في هذه المجلّدات الثلاثة تسع وثلاثون فضيلة تضادّ كلّ واحد منها رذيلة ، فمن يريد السّلوك إلى جنابه تعالى والسير إليه لابدّ له من أن يخلّى نفسه عن تلك الرّذائل ويقطع عروقها ويهذّبها عنها ، وان يحلّى بتلك الفضائل ويغرس شجرة كلّ واحد منها في قلبه وبالمواظبة التّامّة عليها تؤتى اكلها كلّ حين باذن ربّها .
ولكن من بين الفضائل تمتاز هذه الفضيلة - وهي الّتي جعلناها الأخير من الفضائل في هذا الكتاب وهي الموفية لعدد الأربعين المبارك - بمزية خاصّة وهي انّ ضدّها - وهو الألفة - ايضاً فضيلة فالسالك لا محيص له من أن يتحلّى بالفضيلتين ، وخلوّ النّفس منهما أو من أحدهما نقص يوجب فوات فوائد كثيرة بل كما ذكرنا في صدر البحث لا يمكن العروجالسّعادات لمن لم يحصل هاتين الجناحين .
ومن الغريب ما وقع لنا في تدوين هذا الكتاب من البدأ بالفضائل والختم بها أيضاً ، حيث إن الألفة فضيلة أيضاً ، وما كنّا مقدّرين لهذا الأمر ، كما وأنّه قد ختمناه بعدد الأريعين المبارك ، وهذا أيضاً غريبٌ ، فنتفأّل بهما الخير ليكونا لطفين خفيّين منه جلّ وعلا ، ذلك
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 568
مساهمون: الشيخ حسين المظاهري
ص٥٦٨