الأنبياء والأوصياء والعلماء لايتمكّنوا من الإبلاغ إلّابالمخالطة والمؤالفة .
ا لا ترى انّ إبراهيم عليه السلام إذا اسكن إسماعيل وامّه عليه السلام بواد غير ذي زرع لتبليغ الدّين وعمران بيت اللَّه وإقامة الصّلوة ، دعاه تعالى فاستدعى منه مؤالفة النّاس لهما وميلهم إليهما .
قال تعالى : « ربّنا انّى أسكنت من ذرّيتى بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصّلوة فاجعل أفئدة من النّاس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون » . « 1 »
ا لا ترى انّ اللَّه تعالى جعل أجر المتّقين في الدّنيا مودّة النّاس لهم وهوى قلوبهم إليهم .
قال تعالى : « انّ الّذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرّحمن ودّاً » . « 2 »
ا لا ترى انّه تعالى جعل المودّة أجر الرّسالة ثمّ اخبر انّ تلك المودّة توجب السّعادة لهم فيرجع الاجر إليهم .
قال تعالى : « قل لا أسئلكم عليه اجراً إلّاالمودّة في القربى » . « 3 »
وقال تعالى : « قل ما سألتكم من اجر فهو لكم » . « 4 »
وبالجملة انّ الألفة والمؤالفة فضيلة هامّة ومطلوبة عنداللَّه تعالى وتترتّب عليها فوائد كثيرة ولا يمكن تحصيل سعادة الدّارين إلّابها ، فهي كالعزلة ذات مزايا لابدّ لكلّ مؤمن ان يحصّلها .
وان شئت قلت : انّ الألفة والعزلة جناحان ومن شاء ان يعرج إلى سماء السّعادة لا محيص له من أن يطلبهما ، فجناح العزلة فقط غير مفيد كالطّائر الّذي يكون له جناح واحد ، وجناح الألفة فقط ناقص ايضاً كالطّائر ذي جناح واحد ، فمن يطلب الطّيران إلى السّعادات الدّنيوية والاخرويّة ليطلب الجناحين من العزلة والألفة ، فبعد ذلك يحصل له البراق ويعرج إلى ما أراد .
هامش
( 1 ) - / إبراهيم / 37
( 2 ) - / مريم / 96
( 3 ) - / الشورى / 23
( 4 ) - / سبأ / 47