تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
كلّها ، فلذلك قلنا قلّما يخلو منها أحدٌ ، إلّامن ارتقى في مدارج التحلية بزينة الصّبر الّذي هو ضد الهلوع وهو نادر ، لان أصحاب السير والسلوك نادرين ، فربّ مسلم تقيّد بظواهر الشرع فاقتدر على اخذ زمام النّفس الأمّارة بل سلّط بفضل اللَّه تعالى ورحمته عليها فلايرتكب الصغائر فضلًا عن الكبائر ولكن لم ينل إلى منزل التخلية فضلًا عن منزل التحلية بل من النّاس من لايفكّر فيهما ولايهتمّ بهما ، مع أنّ تهذيب النّفس أوّلًا عن الرذائل وتحليتها ثانياً بالفضائل يُعدّ من أوجب الواجبات وهذا حال كثير من النّاس بل أغلبهم . ولذلك قد ثنّى الذكر الحكيم الاخبار عن تهذيب النّفس بأحدعشر حلفاً ليُلفّت نظر المسلمين إليه قال : « قد أفلح من زكّيها * وقد خاب من دسّيها » . « 1 » ثم أردفه بحكاية ثمود عليه السلام وتكذيب القوم ايّاه ، فباءوا بعذاب الدنيا والآخرة لعدم قيامهم بتهذيب نفوسهم . واما المرتبة الوسطى منها فهي الحزن الشديد في القلب بحيث لا نشاط ولا سرور فيه ، بل يغلب عليه الهمّ والغمّ والاضطراب والخوف يظهر ذلك كلّه على الجوارح سيّما على اللسان وذلك لما يستفاد من قوله تعالى : « قل كلٌّ يعمل على شاكلته » حتّى يؤدّي إلى الانهيار العصبي ، فحينئذٍ لا سلطان له على أعصابه ، فينطق ويفعل ويمشى على ما يظهر من سيرة السفهاء ، فكانّه منهم وقد مرّ الكلام في أنّ الهلع سفاهة يغلب على العقل والقلب . واما المرتبة الأخيرة فهي في الّذين تمكّن مركّب النقص في أنفسهم ، فيرضون بأن يقتلوا ألوفاً من النّاس ليُراحوا من هذه المنقصة ، ولذلك قد يفعلون ما لا تفعل شرّ الدوابّ . قال تعالى : « ان شرّ الدوابّ عند اللَّه الصمّ البكم الّذين لا يعقلون » . « 2 » وإذا اقبلتْ إليهم لذّة من لذائذ الدنيا فيفدون العالَم ليصلوا إليها ، فهم مجنونون أخدوا
هامش
( 1 ) - / الشمس / 10 ، 9 ( 2 ) - / الأنفال / 22