وكذلك قارون مع كونه من أقرباء موسى ومن مؤمني قومه غلب عليه السفه ، فإذا ابتلى ببلاء وقال له موسى : وابتغ فيما آتاك اللَّه الدار الآخرة وأحسن كما أحسن اللَّه إليك ولا تبغ الفساد بمنع الفقراء وبامساك الحقوق الواجبة عليك .
فسأل أوّلًا التخفيف فيها فخفّف له ما شاء اللَّه فبعد التخفيف والتسويف رجع فقال لم أكن انفق للفقراء لأنه انما أوتيت المال على علم فهو لي لا للفقراء ، فاستنكف عن الاحسان حتّى فعل ما فعله نمرود وفرعون وهامان فجمع فكرته ليذهب بعرض النبي فاستأجر امرأة لتنسب إليه الزنا والولد الّذي كان في حجرها ، فألهمها اللَّه تعالى أن تقرّ بما هو الحقّ الواقع على رؤوس الاشهاد ، فخسف الأرض بقارون وماله على ما حكى اللَّه تعالى في التنزيل العزيز عن سيرته : « انّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم واتيناه من الكنوز ما انّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوّة إذ قال له قومه لا تفرح ان اللَّه لا يحب الفرحين * وابتغ فيما اتاك اللَّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن اللَّه إليك ولا تبغ الفساد في الأرض ان اللَّه لا يحبّ المفسدين * قال انّما أوتيته على علم عندي . . . .
فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون اللَّه » . « 1 »
ونختم الكلام بما استدلّ به اللعين إبليس ليوجّه به تمرّده عن امره تعالى لمّا أمره أن يسجد بآدم عليه السلام ، فقال : انّه من ترابٍ وانا من النار فانا اشرف منه .
قال تعالى : « يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين * قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين » . « 2 »
مع أن اللَّه تعالى لم يأمره بالسجود على جسده حتّى يصحّ له أن يقول خلقتني من نار وخلقته من طين بل امره ان يسجد لروحه الّذي كان من أمر اللَّه تعالى وبانتسابه إليه تعالى استحقّ لأن يُسجَد به .
هامش
( 1 ) - / القصص / 81 - 76
( 2 ) - / ص / 76 ، 75