فبعد ان بُعث إليهم ، جاءهم بتلك المعاجز الباهرة ، فآمن به السحرة ولكنّ السفيه اللعين هدّدهم بأنّه يقتلهم صبراً .
قال تعالى : « قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون * فالقوا حبالهم وعصيّهم وقالوا بعزّة فرعون انّا لنحن الغالبون * فالقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون * فألقى السحرة ساجدين * قالوا امنّا بربّ العالمين * ربّ موسى وهارون * قال امنتم له قبل ان اذن لكم انه لكبيركم الّذي علّمكم السحر فلسوف تعلمون لاقطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلّبنّكم أجمعين * قالوا لا ضير انّا إلى ربّنا منقلبون » . « 1 »
ثمّ بعد أن غلب سيّدنا موسى في مقام الاحتجاج واظهار المعاجز عليه ، أمر هامان اسكاتاً لهم ببناء صرحٍ ، فرفعه ، ثمّ عاد فقال : لم أر اله موسى في السماء ، فهو من الكاذبين .
قال تعالى : « يا هامان ابن لي صرحاً لعلّى أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فاطّلع إلى الهِ موسى وانّى لاظنّه كاذباً » . « 2 »
هذه هي الغاية المتوخّاة عن سفاهة نمرود وسفاهة فرعون ، فانّهما وإن كانا بحسب الظاهر أعقلا قومهما ، ولكّنهما بغلبة الهلع عليهما خرجا عن مقتضى حكم عقلهما ، وجاءا بما لا يجوز للمجانين أن يقوموا به .
وأمّا من صبر فاقتدر على دفع المشتهيات النفسيّة ، فهو الكيّس الّذي لايُغشى على قلبه وعقله ، فكأنّه شمسٌ يتلألأ في الجوّ المظلم ، الّذي غلب عليه السفه .
قال تعالى : « وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ايمانه أتقتلون رجلًا ان يقول ربّى اللَّه وقد جائكم بالبيّنات من ربّكم » . « 3 »
وقال تعالى : « وضرب اللَّه مثلًا للذين امنوا امرأة فرعون إذ قالت ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنّة ونجّنى من فرعون وعمله ونجّنى من القوم الظالمين » . « 4 »
هامش
( 1 ) - / الشعراء / 50 - 43
( 2 ) - / غافر / 37 ، 36
( 3 ) - / غافر / 28
( 4 ) - / التحريم / 11