فلنرجع إلى ما كنّا بصدده وهو ان القوم ومنهم صاحب جامع السعادات قالوا ما تحريره : ان الصّبر باعتبار نفسه ينقسم إلى اقسام :
الف : الصّبر على ما يوافق الهوى وهو الصّبر على السراء كالصبر على المال والأولاد والصحة ونيل الجاه ونحو ذلك لأنه لو لم يصبر عليها لأدركه الطغيان .
قال تعالى : « كلّا انّ الإنسان ليطغى * ان راه استغنى » . « 1 »
وقال تعالى : « ان الإنسان خلق هلوعاً * إذا مسّه الشرّ جزوعاً * وإذا مسّه الخير منوعاً * إلّاالمصلّين » . « 2 »
وقال بعض الأكابر : البلاء يصبر عليه المؤمن ، والعافية لا يصبر عليها إلّاالصديق .
وقال بعض آخر : الصّبر على العافية اشدّ من الصّبر على البلاء ، ولذا لمّا توسّعت الدنيا على الصحابة وزال عنهم ضيق المعيشة ، قالوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا عليها وابتلينا بفتنة السرّاء فلا نقدر على الصّبر عليها .
قال تعالى : « يا ايّها الّذين امنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللَّه » . « 3 »
ب : الصّبر على ما لا يوافق طبعه مع القدرة على تركه ، كالصبر على الطاعات والاجتناب عن المحرّمات ، ولا ريب في أن الصّبر على الطاعات سيما في الأموال كالخمس والزكاة وفي الأنفس كالجهاد شديد ، واشدّ منه هو الصّبر على اتيانها من غير أن يكون مشوباً بالرياء والسمعة والعجب والغرور والاتيان بالعمل مبرّءاً من تلك الرذائل صعبٌ جدّاً وهو يحتاج إلى الصّبر على العمل ، واشدّ من الصّبر على الطاعات هو الصّبر على الاجتناب عن المعاصي وعلى مخالفة الشيطان الجنى والإنسى ، والصّبر على الوسواس الخنّاس الّذي يوسوس في صدور النّاس من الجنّة والناس .
ونجمل القول في ذلك ونقول : ان الصّبر على الجهاد الأكبر وهو مخالفة الهوى اشدّ
هامش
( 1 ) - / العلق / 7 ، 6
( 2 ) - / المعارج / 23 - 19
( 3 ) - / المنافقون / 9