تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
سألوه أن يسئل اللَّه تعالى رؤيته جهرةً بالبصيرة لا بالبصر ، قال تعالى : « وإذ قلتم يا موسى لن نومن لك حتّى نراللَّه جهرة » . « 1 » فلمّا سأل عليه السلام ذلك ، أجابهم بامتناعها ، لأنّ الرؤية البصرية ممتنعةٌ بلا كلام فيها ، أمّا الرؤية بالبصيرة فتختصّ بأهل القلوب البالغين أعلى مدارج السلوك بالصبر ، فهي أيضاً ممتنعةٌ في حقّهم ، قال تعالى : « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة » . « 2 » ثمّ تجلّى سبحانه وتعالى للجبل ليكونوا موقنين بعدم امكان الرؤية ، فماتوا إثر تجلّيه تعالى ، وخرّ موسى صعقاً لرؤيته تعالى وتجلّيه فهو للخشية انغمر في عالم الوحدة بحيث لم يكن له التفاتٌ إلى غيره فلما افاق من تلك الحالة ورجع من عالم الوحدة إلى عالم الكثرة غلب عليه الوحشة والخوف بسب موتهم فقال : « ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا » . « 3 » فسأل اللَّه ان يحييهم فأحياهم بعد موتهم . قال تعالى : « ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون » . « 4 » والحاصل ان الصّبر عند خرق حجب النور مشكل جداً فهو كالصبر على اخراج العروق من القب أو حرقه بالنار ، فيخرّ صاحبه صعقاً . المرتبة الخامسة هي الصّبر في اللَّه - ويقال له صبر الأوحدي من اخصّ اخصّ الخواص - وهو الصّبر على السير في الحق بعد الوصول إلى اللقاء . توضيح ذلك ، ان المراتب الأربعة الّتي مضى ذكرها في الجملة تُعدّ من مقامات السير من الخلق إلى الحقّ فبالتوبة واليقظة والتخلية والتحلية واللقاء يحصل الوصول لذي القلب ، فالمنزل الأوّل كان يختصّ بالعوام والمنزل الثاني يختص بالخواص والمنزل الثالث
هامش
( 1 ) - / البقرة / 55 ( 2 ) - / قيامة / 23 و 22 ( 3 ) - / الأعراف / 155 ( 4 ) - / البقرة / 56