تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
فلذلك قد استقرّت سيرة النبىّ صلى الله عليه وآله وسلم والائمّة عليهم السلام وكبراء الشيعة على عدم الاجتناب عن المشتبهات سيّما في بابي الطّهارة والنّجاسة . نعم ، انّ الضّرورات تتقّدر بقدرها ، ففيما لا حرج ولا عسر ولا اختلال في العيش يجتنب عنها وعن المكروهات لانّه لا ترجيح للفعل ، بل التّقوى يقتضى التّرك فالفعل خلاف التّقوى وللخواصّ معصية ومعصية الرّسل الّتي جيئت في القرآن كمعصية آدم ويونس وداود ويعقوب ويوسف عليهم السلام وأمثالهم من هذا القبيل . ج : يقتدر على ترك التّوغّل في المشتهيات النّفسانيّة وزوائد العيش ، لانّ المادّيات والمعنويّات ضدّان ، فكلّما ثقلت كفّة إحداهما خفّت كفّة الأخرى . فالتّوغّل في المشتهيات حتّى غير المحرّمة منها يوجب الفغلة عن المعنويّات وهو ردمٌ مستحكمٌ يمنع عن سلوك الطريق إلى اللَّه تعالى وعقالٌ يحجب عن النظر إلى الملكوت الاعلى ، فايّاكم ثمّ ايّاكم ثمّ ايّاكم والتّوغّل في المشتهيات متمسّكاً بحلّيته لانّ كثيراً من المحلّلات مانعٌ عن التّرقّى والتّعالى ، فمن شغل نفسه باغذية طيّبة وأشربة لذيذة وحسناء النساء والدّور العاليات والأصدقاء المتوغّلة في عالم الكثرة فلا محالة لا يقتدر على تحصيل العلم وغيره من الفضائل الانسانيّة فضلًا عن أن يطلب عالم الوحدة ويوفّق للسير إلى اللَّه تعالى والتّوغّل في عالم المعنى ، ويحرم بل يستحيل عليه الوصول إليه مع توغّله في المادّيات والشّهوات ولو كان من حلالها ، فمن كان سيره إلى المادّيات فبكلّ خطوة من خطواته يبعد عن المعنويّات ، فكيف يمكن ان يصل إليها ؟ ! هيهات هيهات ، وان توهّم امكان الجمع بينهما وخُيّل إليه ذلك فهو توهّم من الشّيطان الجنّى والانسىّ سيّما شيطان النّفس الّذي هو أخبث الشياطين وأكبر الأصنام . د : يقتدر على ترك المباحات ويكتفى بالعيش الضّرورى مجتنباً عن زوائد العيش كاجتنابه عن العيش التجمّلى وهذا القسم من التّقوى هو المشهور من الزهد .